وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي العِلْمِ، يَسْأَلُهُ عَمَّا عِنْدَهُ بِشَأْنِ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وَلَمْ يَلْبَثْ هِرَقْلُ أَنْ أَتَاهُ رَسُولُ عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابَ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثُمَّ قَالَ هِرَقْلُ لِصَاحِبِ شُرْطَتِهِ: انْظُرْ لَنَا مِنْ قَوْمِهِ -أَيْ مِنْ قَوْمِ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَحَدًا نَسْأَلُهُ عَنْهُ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ بِالشَّامِ مَعَ رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي تِجَارَةٍ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ [1] مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّامِ فِي المُدَّةِ [2] التِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلْيَاءَ، فَأُدْخِلْنَا عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِ مُلْكِهِ، عَلَيْهِ التَّاجُ، وَإِذَا حَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ لَهُ: سَلْهُمْ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ نَسَبًا، قَالَ: مَا قَرَابَتُكَ مِنْهُ؟
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: هُوَ ابْنُ عَمِّي، قَالَ: وَلَيْسَ فِي الرَّكْبِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ [3] غَيْرِي.
(1) الرَّكْبُ: اسم من أسماءِ الجمع، وهو من العشرة فما فوقها. انظر النهاية (2/ 233) - فتح الباري (1/ 49) .
(2) يعني مُدَّة الصلح بالحديبية، وكانت مدَّتها عشر سنين، كما تقدم.
(3) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (1/ 50) : وعبدُ مَنَافٍ الأبُ الرابع للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وكذا لأبي سفيان، وأطلَقَ عليه ابن عَمٍّ؛ لأنه نزل كلا منهما منزلة جدّه، . . . وإنما خَصّ هرقل الأقرب لأنَّه أحْرَى بالإطلاع على أُمُورِه ظاهرًا وباطنًا أكثر من غيره؛ ولأن الأبْعَدَ لا يُؤْمَنُ أن يَقْدَحَ في نسبه بخلاف الأقرب.