قَالَ: فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا، فنَزَلَتْ: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [1] .
كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلُ آيَاتٍ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْي، وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَوَامِرُ الْمُتَتَابِعَةُ الْقَاطِعَةُ إِيذَانًا لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِأَنَّ الْمَاضِي قَدِ انْتَهَى بِمَنَامِهِ وَهُدُوئِهِ وَسَلَامِهِ، وَأَنَّهُ أَمَامَ عَمَلٍ جَدِيدٍ يَسْتَدْعِي الْيَقَظَةَ، وَالتَّشْمِيرَ، وَالْإِنْذَارَ، وَالْإِعْذَارَ، فَلْيَحْمِلِ الرِّسَالَةَ، وَيُنْذِرِ النَّاسَ، وَلْيَأْنَسْ بِالْوَحْيِ، وَلْيَصْبِرْ عَلَى عَنَائِهِ، فَإِنَّهُ مَصْدَرُ رِسَالَتِهِ وَمَدَدُ دَعْوَتِهِ [2] .
فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَظَلَّ قَائِمًا بَعْدَهَا أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا! لَمْ يَسْتَرِحْ، وَلَمْ يَسْكُنْ، وَلَمْ يَعِشْ لِنَفْسِهِ وَلَا لِأَهْلِهِ، قَامَ وَظَلَّ قَائِمًا عَلَى دَعْوَةِ اللَّهِ. . . يَحْمِلُ عَلَى عَاتِقِهِ الْعِبْءَ الثَّقِيلَ البَاهِظَ، وَلَا يَنُوءُ بِه، عِبْءُ الْأَمَانَةِ الْكُبْرَى فِي هذِهِ الأَرْضِ، عِبْءُ البَشَرِيَّةِ كُلِّهَا، عِبْءُ العَقِيدَةِ كُلِّهَا، وعِبْءُ الكِفَاحِ والجِهَادِ فِي مَيَادِينَ شَتَّى. . . عَاشَ في المَعْرَكَةِ الدَّائِبَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا، لَا يُلْهِيهِ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ في خِلَالِ هَذَا الأَمَدِ، مُنْذُ أَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ الْعُلْوِيَّ الْجَلِيلَ، وَتَلَقَّى مِنْهُ التَّكْلِيفَ الرَّهِيبَ. . جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا وَعَنِ الْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا خَيْرَ الْجَزَاءِ [3] .
(1) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب وربك فكبر - رقم الحديث (4924) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب بدء الوحي إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رقم الحديث (161) (257) .
(2) انظر فقه السِّيرة للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص 90.
(3) في ظلال القرآن (6/ 3742 - 3743) لسَيِّد قطب رَحِمَهُ اللَّهُ.