الْمُنَافِقِينَ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَهُمْ بِقُبَاءَ لِيُصَلِّي فِيهِ -وَهُوَ مَسْجِدُ الضِّرَارِ- فَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِهَذِهِ الْآيَاتِ: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [1] .
فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ [2] أَخَا بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ أَخَا بَنِي الْعَجْلَانِ، فَقَالَ لَهُمَا:"انْطَلِقَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْله، فَاهْدِمَاهُ وَحَرِّقَاهُ".
فَخَرَجَا سَرِيعَيْنِ حَتَّى أَتَياهُ، فَأَشْعَلَا فِيهِ النِّيرَانَ، وَهَدَمَاهُ [3] .
وَهَذَا الْمَسْجِدُ -مَسْجِدُ الضِّرَارِ- الذِي اتُّخِذَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَكِيدَةً لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، لَا يُرَادُ بِهِ إِلَّا الْإِضْرَارُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَإِلَّا سَتْرُ الْمُتَآمِرِينَ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ، الْكَائِدِينَ لَهَا فِي الظَّلَامِ، وَإِلَّا التَّعَاوُنُ مَعَ أَعْدَاءَ هَذَا الدِّينِ عَلَى الْكَيْدِ لَهُ تَحْتَ سِتَارِ الدِّينِ. . . [4] .
(1) سورة التوبة آية (107 - 108) - وقد تكلمنا عن تفسير هذه الآيات في بداية الكلام عن غزوة تبوك، فراجعها.
(2) قال النووي في شرح مسلم (1/ 214) : الدُخْشُم بضم الدال وإسكان الخاء وضم الشين.
(3) انظر سيرة ابن هشام (4/ 184) - دلائل النبوة للبيهقي (5/ 263) .
(4) انظر في ظلال القرآن (3/ 1701) لسيد قطب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.