اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَجِئْتُهُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ:"تَعَالَ"فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي:"مَا خَلَّفكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ [1] ظَهْرَكَ [2] ؟"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا [3] ، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ [4] عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، وَلَا وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ [5] ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ".
قَالَ كَعْبٌ -رضي اللَّه عنه-: فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبعُونِي، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ ما عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلقدْ عَجَزْتَ أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ الْمُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَكَ.
(1) ابتاع الشيء: اشتراه. انظر لسان العرب (1/ 557) .
(2) الظهر: الإبل التي يُحمل عليها وتُركب. انظر النهاية (3/ 151) .
(3) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (8/ 406) : أي فَصَاحَةٌ وقُوَّة كلام بحيث أخرج عن عهدة ما يُنسب إليّ إذا أردت.
(4) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (8/ 406) : تَجِدُ بكسر الجيم أي تَغْضَبُ.
(5) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (8/ 467) : فيه إشعار بأن من سواه كذب.