يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [1] فكَفَّ عَنْدَئِذٍ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَنْ سبِّ [2] آلِهَتِهمْ، وجَعَلَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّه تَعَالَى [3] .
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَقُولُ اللَّه تَعَالَى نَاهِيًا لِرَسُولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- والمُؤْمِنِينَ عَنْ سَبِّ المُشْرِكِينَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، إِلَّا أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ أعْظَمُ مِنْهَا، وهِيَ مُقَابَلَةُ المُشْرِكِينَ بِسَبِّ إِلَهِ المُؤْمِنِينَ، وهُوَ اللَّه لَا إلَهَ إِلَّا هُوَ.
ومِنْ هَذَا القَبِيلِ -وهُوَ تَرْكُ المَصْلَحَةِ لِمَفْسَدَةٍ أرْجَحَ مِنْهَا- مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَالَ:"إِنَّ مِنْ أكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ والِدَيْهِ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟
قَالَ:"يَسُبُّ الرَّجُلُ أبا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أبَاهُ، ويَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ" [4] .
(1) سورة الأنعام آية (108) .
(2) لم يكنْ رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سَبَّابًا، ولا شَتَّامًا، ولا فَحَّاشًا، وإنما كان يَنْفِي عن آلهة المُشْرِكين ما كانوا يتَوَهَّمُونَهُ لها من صِفَاتٍ لا تليقُ إلا باللَّه سُبحانه وتَعَالَى، ويَصِفُهَا بما وصَفَهَا اللَّه به في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} ، وقوله تَعَالَى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} وقوله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} وقوله تَعَالَى: {وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} وغير ذلكَ ممَّا أنزلهُ اللَّه عليه في تَعْرِيَةِ آلهتهم المَزْعُومةِ ممَّا كانوا يعتقدونَهُ فيها.
(3) انظر سيرة ابن هشام (1/ 395) - سبل الهدى والرشاد (2/ 470) .
(4) أخرج هذا الحديث: الإمام البخاري في صحيحه -كتاب الأدب - باب لا يسب الرجل والديه - رقم الحديث (5973) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب بيان الكبائر وأكبرها - رقم الحديث (90) - وانظر كلام الحافظ ابن كثير في تفسيره (3/ 314 - 315) .