فهرس الكتاب

الصفحة 1222 من 9348

[ (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ(253) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) ] .

(تِلْكَ الرُّسُلُ) إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في السورة، أو التي ثبت علمها عند رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم (فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) لما أوجب ذلك من تفاضلهم في الحسنات. (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ) : منهم من فضله اللَّه بأن كلمه من غير سفير، وهو موسى عليه السلام. وقرئ: (كلم اللَّه) بالنصب، وقرأ اليماني: (كالم اللَّه) من المكالمة، ويدل عليه قولهم: كليم اللَّه بمعنى مكالمه. (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ) أي: ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم درجات كثيرة، والظاهر أنه أراد محمدًا صلى اللَّه عليه وسلم، لأنه هو المفضل عليهم؛ حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آيةٍ أو أكثر. ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلًا منفيًا على سائر ما أوتي الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقلت: النظم يقتضي أعم من ذلك، وأن يجعل التعريف في المرسلين وفي الرسل: للجنس، وأن يراد بالآيات جميع الآيات المذكورة من لدن مفتتح السورة، وتقريره: أنه سبحانه وتعالى لما بين بقوله: (وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا) [البقرة: 23 - 24] الآية، أنه صلوات الله عليه نبي صادق ومعجزته هذا القرآن الذي بذ بفصاحته فصاحة كل ناطق، وشق ببلاغته غبار كل سابق، وما اكتفى بذلك، بل أتى بكل ما يتعلق بأمور الدين من التوحيد والأخلاق والديانات وأحوال الآخرة وقصص الأنبياء السالفة والأمم الدارجة وشيء صالح من الأحكام التي يناط بها أكثر أمور الأمة، وأطنب فيها كل الإطناب، ليؤذن به أن الكتاب كما أنه معجزة في نفسه، مشتمل على حكم وعلوم وأحكام يتوقف عليها أمر الرسالة، ولما أراد أن يرجع إلى ما بدأ به من إثبات نبوته ورسالته قال: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ) ليكون كالفذلكة لسائر ما ذكر، وكالتخلص إلى حديثه صلوات الله عليه، وأنه صلوات الله عليه نبي مرسل، وأنه أفضل الرسل على سبيل الترقي، كأنه قيل: تلك المذكورات كلها آيات الله ملتبسة بالحق الهادي إلى صراط مستقيم ليقرر بها أمر نبوتك الذي ثبت بالمعجزة القاهرة، وليعلم بها إنك لمن المرسلين الجامعين بين المعجزة والوحي وإنك من أفضلهم وواسطتهم؛ لأنك أعطيت ما أعطوا، وزدت على ما أعطوا، وهو هذا الكتاب الكريم.

فعلى هذا، التعريف في الرسل كما في المرسلين، وهو للجنس، والمشار إليه بقوله: (تِلْكَ الرُّسُلُ) هو الرسل على منوال قوله تعالى: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) [الكهف: 78] في أحد وجهيه، قال المصنف: قد تصور فراق بينهما عند حلول ميعاده، وأشار إليه وجعله مبتدأ وأخبر عنه كما تقول: هذا أخوك، وهو المراد من قوله في الوجه الثاني:"أو التي ثبت علمها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم"، أو المشار إليه ما يعلم من المرسلين وإن كانوا غائبين تفخيمًا وتعظيمًا لهم، و (الرُّسُلَ) : صفة، و (فَضَّلْنَا) : الخبر، وأما بيان كونه صلوات الله عليه أفضل المرسلين فهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت