غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا* (46) ].
(مِنَ الَّذِينَ هادُوا) : بيان لـ (لذين أوتوا نصيبًا من الكتاب) ؛ لأنهم يهود ونصارى، وقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) ، وقوله: (وَكَفى بِاللَّهِ) ، (وَكَفى بِاللَّهِ) : جُمل توسطت بين البيان والمبين على سبيل الاعتراض؛ أو بيان لـ"أعدائكم"، وما بينهما اعتراض أو صلة لـ (نصيرًا) [النساء: 45] ، أي: ينصركم من الذين هادوا، كقوله: (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأنهم يهودٌ ونصارى) يهودٌ صح بالتنوين، وإن كان فيه علميةٌ وتأنيث؛ لأنه أريد التنكير، وفي نسخةٍ بغير تنوين، قال المصنف: من الأسماء ما يتعاقب عليه التعريفان: التعريف باللام وبالعلمية، كاليهود والمجوس.
قوله: (أو بيان ل(( أعدائكم ) )وما بينهما اعتراض) بيانه: أن قوله تعالى: (واللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ) [النساء: 45] بعد قوله: (الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الكِتَابِ) [النساء: 44] المشتمل على الفريقين: اليهود والنصارى، مشعرٌ بتهديدٍ عظيم، ووعيدٍ شديدٍ لبعضٍ منهم على سبيل الإبهام، فبين بقوله: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا) ذلك البعض المبهم، والآية تنظر إلى معنى قوله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى) [المائدة: 82] . وعلل العداوة على طريقة الاستئناف بقوله: (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ) [المائدة: 13] ، كأن سائلًا سأل: لم تفردت اليهود بعداوة النبي صلى الله عليه وسلم دون النصارى؟ فقيل: لأنهم حرفوا اسمه ووصفه من التوراة وكتموا الحق وأخذوا على ذلك الرشى وأظهروا المسبة بقولهم: (رَاعِنَا) [البقرة: 104] إخفاءٍ لأمره، وحطا لمنزلته، ولما كان الكلام فيه تسليةٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعدٌ على نصرته وقهر أعدائه؛ كان قوله: (وكَفَى بِاللَّهِ ولِيًا وكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) [النساء: 45] اعتراضًا ومؤكدًا له، وفي تكرير الاعتراض دلالةٌ على الانتقام الشديد والتسلية التامة.
قال الزجاج: (واللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ) ، أي: هو أعرف بهم فيعلمكم ما هم عليه.