لأنّ الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي جعلهم كالبهائم لا يتدبرون ولا يتبصرون.
[ (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ(67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) ] .
العامل في (إِذَا) ما دلّ عليه (أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ) وهو"نخرج"، لأنّ بين يدي عمل اسم الفاعل فيه عقابا وهي همزة الاستفهام، و"إن"ولام الابتداء وواحدة منها كافية، فكيف إذا اجتمعن؟
والمراد: الإخراج من الأرض. أو من حال الفناء إلى الحياة، وتكرير حرف الاستفهام بإدخاله على (إذا) و (إن) جميعا إنكار على إنكار، وجحود عقيب جحود، ودليل على كفر مؤكد مبالغ فيه. والضمير في (إِنَّا) لهم ولآبائهم، لأنّ كونهم ترابا قد تناولهم وآباءهم.
فإن قلت: قدّم في هذه الآية (هَذَا) على (نَحْنُ وَآباؤُنا) ، وفي آية أخرى قدّم (نَحْنُ وَآباؤُنا) على (هَذَا) ؟ قلت. التقديم دليل على أن المقدّم هو الغرض المتعمد بالذكر، وإن الكلام إنما سيق لأجله، ففي إحدى الآيتين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال صاحب"التقريب": معناه: أن الكفر بالجزاء مبدأ عماهم، وسبب عدم تدبرهم، فإن لم يصرفه خوف العاقبة فعل ما يقتضيه هواه وشهوته، ودخل في زمرة البهائم.
قال:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلم
قوله: (بين يدي عمل اسم الفاعل) ، أي: المفعول، وهو"مخرجون"، سمي به مجازًا، لأنه بني من: يخرج.
قوله: (التقديم دليلٌ على أن المقدم هو الغرض) ، تلخيصه: أن التقديم إنما يتعمد به لاقتضاء المقام، وكون المقدم مهتمًا بشأنه، ولما كان الإنكار في هذه السورة أبلغ منه في تلك السورة قدم المنكر هنا، وأقره في تلك السورة في مكانه.