بعدما جاء بما هو خاتمة للتذكير، وهذا الكرور لفضل خصوصية ومزية وتنبيه على مكان الصبر ومحله، كأنه قال: وعليك بما هو أهمّ مما ذكرت به وأحق بالتوصية، وهو الصبر على امتثال ما أمرت به والانتهاء عما نهيت عنه، فلا يتم شيء منه إلا به.
(فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) جاء بما هو مشتملٌ على الاستقامة وإقامة الصلوات والانتهاء عن الطغيان والركون إلى الظالمين والصبر وغير ذلك من الحسنات.
[ (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ(116) ] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) - كان مشتملًا على المعاني التي لا تتم ولا تكمل إلا بالصبر، فصرح به بعدما ذكر ضمنًا؛ للدلالة على أن الصبر ملاك الكل، ولا يتم شيء منه إلا به.
قوله: (بعدما جاء بما هو خاتمة للتذكير) : أي: جاء بقوله: (ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) تذييلًا لمجموع قوله: (فَاسْتَقِمْ) إلى قوله: (يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) فذلكة له، على منوال قوله: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) [النمل: 34] ، ثم علل كلًا من التذييل والمذيل بقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) ترغيبًا وتحريضًا، وجاء بما هو أعم العام، لأن المحسن من لم يخل بما يدخل تحت مسمى الإحسان، فيدخل فيه دخولًا أوليًا.
قال القاضي:" (الْمُحْسِنِينَ) عدول من المضمر؛ ليكون كالبرهان على المقصود، ودليلًا على أن الصلاة والصبر إحسان وإيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإخلاص"، ولمح به إلى قوله صلى الله عليه وسلم:"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".