أي: تمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشدّ الضرر وأبلغه (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) ؛ لأنهم لا يتمالكون مع ضبطهم أنفسهم وتحاملهم عليها أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم للمسلمين.
وعن قتادة: قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لإطلاع بعضهم بعضا على ذلك.
وفي قراءة عبد اللَّه (قد بدأ البغضاء) . (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ) الدالة على وجوب الإخلاص في الدين، وموالاة أولياء اللَّه ومعاداة أعدائه (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) ما بين لكم، فعملتم به.
فإن قلت: كيف موقع هذه الجمل؟ قلت يجوز أن يكون (لا يَالُونَكُمْ خَبَالًا) صفة للبطانة، وكذلك (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ) كأنه قيل: بطانة غير آليكم خبالا بادية بغضاؤهم. وأما (قَدْ بَيَّنَّا) فكلام مبتدأ، وأحسن منه وأبلغ أن تكون مستأنفات كلها على وجه التعليل للنهى عن اتخاذهم بطانة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وتحاملهم عليها) ، الأساس: تحاملت الشيء: حملته على مشقة.
قوله: (أن ينفلت من ألسنتهم) مفعول"لا يتمالكون"، أي: لا يتماسكون انفلات ما يعلم به بغضهم، يعني: أنهم ضابطون أنفسهم مما في صدورهم من الغيظ جدًا لكن ينفلت أحيانًا من ألسنتهم ما يعلم منه شيء مما انطوت عليه ضمائرهم.
قوله: (أن يكون(لا يَالُونَكُمْ) صفة [للبطانة] ، وكذلك (قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ) . سأل عن مواقع الجمل وهي أربعة، وذكر في الجواب مواقع الثلاث وترك موقع قوله: (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) : إما لظهورها أنها صفة مثلها؛ لأنها توسطت بين الصفتين، أو أنها حال من الواو في (لا يَالُونَكُمْ) ، و"قد"معها: مقدرة و"ما": مصدرية، أي: لا يألونكم خبالًا وادين عنتكم، وأما إيثار الماضي على المضارع هنا فكإيثاره في قوله تعالى: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) [الممتحنة: 2] .
قوله: (مستأنفات كلها على وجه التعليل) قيل: يريد أن الكل جواب عن السؤال عن النهي، والأحسن أن يجري الكل مستأنفات على الترتيب، كأنه قيل: لم لا نتخذهم بطانة؟