ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على هذا التقدير قراءة ابن عباس وابن مسعود، ويجوز أن يراد بالأولياء: القاعدون، والمفعول الثاني محذوف، والمراد بالتخويف: ما أوقع الشيطان في قلوبهم من الجبن والخور والرعب، وكأن أقرب الوجوه الوجه الأخير؛ لأنه قيل في حق السابقين غير القاعدين: (فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) ، فوضع موضع فما خافوا فزادهم إيمانًا، وقال في حق هؤلاء القاعدين: (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي) ، وسموا أولياء الشيطان تغليظًا، ولذلك قرن به (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) مقابلًا لقوله: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) . ثم إن أريد بالأولياء أبو سفيان وأصحابه والخطاب بقوله: (يخوفكم) : المؤمنون الخلص، كان قوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) في معنى التعليل، فلا يقتضي الجزاء كما سبق. وإن أريد به المتخلفون كان المعنى: إن كنتم مؤمنين فخافوني وجاهدوا مع رسولي، لأن الإيمان يقتضي أن يؤثروا خوف الله على خوف الناس، كما قال الإمام: المعنى: الشيطان يخوف أولياءه الذين يطيعونه ويؤثرون أمره، وأما أولياء الله فهم لا يخافونه إذا خوفهم ولا ينقادون لأمره، وهذا قول الحسن والسدي.
وقلت: النظم يساعد عليه، فإنه تعالى لما بين أن الذي أصاب المؤمنين يوم التقى الجمعان إنما أصابهم ليتميز المؤمن المخلص من المنافق، فقسمهم أقسامًا بدأ بذكر المنافقين، ثم ثنى بذكر المؤمنين، وجعلهم طبقات، فذكر من استشهد وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، واستتبع مدحهم مدح الطبقة الثانية الذين لم يلحقوا بهم، فذكر من أوصافهم أنهم الذين استجابوا لله والرسول تعريضًا بالمتخلفين وأنهم الذين (قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) ، ولما فرغ من مدحهم التفت إلى الطبقة الثالثة، وقال: (إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ) ، ثم ثلث بذكر الذين محضوا الكفر وواطأت قلوبهم ألسنتهم، فقال: (وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) [آل عمران: 176] مستطردًا لذكر أولياء الشيطان،