فهرس الكتاب

الصفحة 1692 من 9348

قال ذلك اليهودُ حين سَمِعوا قولَ اللَّه تعالى: (مَّن ذَا الذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قرضًا حسنًا) [البقرة: 245] ، فلا يَخْلو: إمّا أن يَقولُوه عن اعتقادٍ لذلك، أو عن استهزاءٍ بالقرآن، وأيّهما كان فالكلمةُ عظيمةٌ لا تصدُرُ إلا عن متمرِّدين في كُفرِهم. ومعنى سَماعِ اللَّه له: أنه لم يَخْفَ عليه، وأنّه أعَدّ له كِفاءَه مِنَ العقاب (سَنَكْتُبُ ما قالُوا) : في صحائفِ الحَفَظة. أو سنَحفَظُه ونثبته في عِلْمِنا لا نَنْساه كما يُثْبَتُ المكتوب. فإنْ قلتَ: كيف قال: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ) ثم قال: (سَنَكْتُبُ) ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وأيهما كان) ، روي مرفوعًا ومنصوبًا، فالرفع على أن"كان"تامة، والنصب على أنها ناقصة، والاسم مضمر فيها، كقولهم: أيًا كان وأيًا ما كان، أي: ذلك أو المذكور.

قوله: (ومعنى سماع الله) إلى آخره يشير إلى أن قوله: (سَمِعَ اللَّهُ) كناية تلويحية عن الوعيد؛ لأن السماع لازم العلم بالمسموع، وهو لازم للوعيد في هذا المقام، فقوله:"وأنه أعد له كفاءه": عطف تفسيري على قوله:"أنه لم يخف".

قوله: (كيف قال:(لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ) ؟) وجه السؤال: أن قوله: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ) ماض فلا يطابقه قوله: (سَنَكْتُبُ) لأنه مستقبل، فلو قيل:"كتبنا"، لطابقه؟ وأجاب: أن المراد توكيد الكلام فابتدأ بالإخبار عن كونه ووجوده، وأكده بالقسمية، وثنى بالإخبار عن تحققه وثبوته فيما يستقبل، وأكده بالسين، وكلتا العبارتين معبرتان عن الوعيد، ألا ترى كيف قال أولًا:"وأنه أعد له كفاءه من العقاب"، وثانيًا:" (سَنَكْتُبُ) على جهة الوعيد"، ثم لخص المعنيين بقوله:"لن يفوتنا أبدًا إثباته وتدوينه"، أي: ماضيًا ومستقبلًا! وإلى هذا المعنى ينظر قول من قال:

لها بين أحناء الضلوع مودة ... ستبقى لها ما ألفي الدهر باقيا

وإتيان السين في (سَنَكْتُبُ) للمبالغة؛ لأن سين الاستقبال لتأكيد الفعل في الإثبات، كما أن"لن"لتأكيده في النفي.

قال الخليل:"إن سيفعل"جواب"لن يفعل".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت