(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) وهو إرسال الرسول وإنزال الكتاب والتوفيق، (لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ) : لبقيتم على الكفر (إِلَّا قَلِيلًا) منكم، أو: إلا اتباعًا قليلًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ) : لبقيتم على الكفر (إلاَّ قَلِيلًا) منكم، أو: إلا إتباعًا قليلًا)، الأول: استثناءٌ من فاعل (( اتبعتم ) )، والثاني من مصدره.
الانتصاف: في قول الزمخشري نظر؛ إذ جعل الاستثناء من الجملة التي وليها بناءً على ظاهر الإعراب، ويفسد المعنى؛ إذ يلزم منه جواز أن ينتقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان، ومن إتباع الشيطان إلى معصيته؛ وليس لله تعالى عليه فضلٌ في ذلك معاذ الله منه؛ لأن لولا: حرف امتناعٍ لوجود، يدل على أن امتناع إتباع المؤمنين الشيطان في الكفر إنما كان لوجود فضل الله عليهم، فالفضل منع من إتباع الشيطان، فإذا استثنيت منها فقد سلبت تأثير فضل الله في امتناع الإتباع عن البعض المستثنى وجعلتهم مستبدين بإتباع الإيمان وعصيان الشيطان الداعي إلى الكفر بأنفسهم لا بفضل الله، كما تقول: لولا مساعدتي لك لسلبت أموالك إلا قليلًا، فلا تجعل لمساعدتك أثرًا في إبقاء القليل وإنما مننت عليه ببقاء تأثير المساعدة في أكثر ماله؛ ومن ثم أعاد القاضي أبو بكرٍ الاستثناء على ما قبل الجملة الأخيرة ثم اتخذها دليله في الرد على من جزم بعود الاستثناء إذا تعقب، حملًا إلى الجملة الأخيرة.
وقال الإمام: ظاهر هذا الاستثناء يوهم أن ذلك القليل وقع لا بفضل الله ولا برحمته، ومعلومٌ أن ذلك محال؛ فعند ذلك اختلف المفسرون، قيل: الاستثناء راجعٌ إلى قوله: (أَذَاعُوا) ، فالتقدير: إذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلًا، فأخرج من هذه الإذاعة بعضهم، قيل: راجعٌ إلى قوله: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) إلا القليل، قال الفراء والمبرد: القول الأول أولى؛ لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله، وقيل: الاستثناء متعلقٌ بقوله: (ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ) ؛ لأن حرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به أولى؛ فهذا القول لا يتمشى إلا إذا فسرنا الفضل والرحمة