وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ما كان من أمر بمعروفٍ أو نهى عن منكرٍ، أو ذكر اللَّه» . وسمع سفيان رجلًا يقول: ما أشد هذا الحديث، فقال: ألم تسمع اللَّه يقول (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ) فهو هذا بعينه، أو ما سمعته يقول (وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ) [العصر: 1 - 2] فهو هذا بعينه. وشرط في استيجاب الأجر العظيم أن ينوي فاعل الخير عبادة اللَّه، والتقرّب به إليه، وأن يبتغى به وجهه خالصًا، لأن الأعمال بالنيات.
فإن قلت: كيف قال: (إِلَّا مَنْ أَمَرَ) ، ثم قال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) ؟
قلت: قد ذكر الأمر بالخير؛ ليدل به على فاعله؛ لأنه إذا دخل الآمر به في زمرة الخيرين كان الفاعل فيهم أدخل. ثم قال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) فذكر الفاعل وقرن به الوعد بالأجر العظيم، ويجوز أن يراد: ومن يأمر بذلك،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كلام ابن آدم كله عليه لا له) الحديث مخرج في"سنن الترمذي"وابن ماجه.
قوله: (فهو هذا بعينه) أي: لا تفاوت فيما يرجع إليه المعنى، لكن هذه الآية أخص من الحديث؛ لقوله: {مِنْ نَجْوَاهُمْ} ، والحديث أخص من تلك الآية؛ لقوله: {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2] ، وهو أعَمُّ من الكلام.
قوله: (كيف قال:(إلا من أمر؟) تلخيص السؤال: أن قوله: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} تذييل لقوله: {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} ، فينبغي أن يكون مطابقًا للمذيل، ولا مطابقة بين أمر الفعل وفاعله ظاهرًا، فأجاب بقوله:"قد ذكر الأمر بالخير". وخُلاصته: أنه لابد من التأويل؛ إما بأن يجعل القرينة الأولى كناية عن الفاعل ليحصل التطابق بالطريق الأولى، أو أن يجعل الكناية كناية عن الأمر لشموله وتناوله إياه، وبيان الأول: أنه تعالى لما رتب على إقدام أمر الخير قوله: {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114] عُلِم أن فاعل ذلك أولى بأن يؤتي أجره، بل بأن يُضاعف ويعظم ثوابه.