عليه شيء من ذلك. وإنما هو أمر أوجبته الحكمة أن يعاقب المسيء، فإن قمتم بشكر نعمته، وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب. (وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا) : مثيبًا موفيًا أجوركم، (عَلِيمًا) بحق شكركم وإيمانكم.
فإن قلت: لم قدم الشكر على الإيمان؟
قلت: لأن العاقل ينظر إلى ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضه للمنافع، فيشكر شكرًا مبهمًا، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكرًا مفصلًا، فكان الشكر متقدمًا على الايمان، وكأنه أصل التكليف ومداره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن يعاقب المسيء) بدلٌ من"هو"، أي: وإنما معاقبة المسيء أمرٌ أوجبته الحكمة.
قوله: (وتعريضه للمنافع) يقال: عرضت فلانًا لكذا، أي: نصبته له، يعني: أن الله تعالى ما أراد إلا الخير والأصلح فخلق العباد ليعرضهم لما أراده، وفيه إيماء إلى إثبات رعاية الأصلح على المبالغة.
قوله: (فيشكر شكرًا مبهمًا، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكرًا مفصلًا) ، ولخصه القاضي حيث قال: وإنما قدم الشكر لأن النظر يُدرك النعمة أولًا فيشكر شكرًا مبهمًا، ثم يمعن النظر حتى يعرف المنعم فيؤمن به، وكذا عن الإمام. وقال صاحب"التقريب": وفيه نظر؛ لأن الإيمان لا يستدعي عرفان المؤمن به بذاته؛ بل يعارض، فكان حاصلًا حينما عرف الإنعام، فما أوجب الشكر أوجب الإيمان؟
فالجواب أن الواو لا توجب الترتيب.
وقلت: أما الكلام الأول فلا بأس به، وأما الجواب فمنظور فيه، وحاشًا لمقتني علمي الفصاحة والبلاغة أن يرضى في كلام الله المجيد بمثل هذا القول؛ فإن في كل تقديم ما مرتبته التأخير لله تعالى أسرارًا لا يعلم كنهها إلا هو، ألا ترى إلى قوله تعالى: الرَّحْمَنُ