بَقِيتُ وَفْري وَانْحَرَفْتُ عَنِ الْعُلَا ... وَلَقِيتُ أضْيَافِى بِوَجْهِ عَبُوسِ
ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدى حقيقة، يغللون في الدنيا أسارى، وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم: والطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز، كما تقول: سبني سب اللَّه دابره، أي: قطعه، لأنّ السب أصله القطع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بقيت وفري وانحرفت عن العُلا) تمامه:
ولقيت أضيافي بوجه عبوس
وبعده:
إن لم أشن على ابن حرب غارة ... لم تخل يومًا من نهاب نفوس
"بقيت وفري وانحرفت عن العُلا": اللفظ لفظ الخبر، والمعنى معنى الدعاء، كقوله تعالى: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} ، الوفر: المال الكثير، والعبوس: الكلوح عن الغضب، وشن الغارة وأشن: إذا فرقها على العدو من كل وجه، وابن حرب: معاوية بن أبي سفيان بن حرب، يقول: ادخرت مالي ولم أفرقه فيما يكتسب لي حمدًا فعل البخلاء وزهدت في اكتساب المعالي إن لم أشُن على معاوية غارة لا تخلو يومًا من اختلاس نفوس.
قوله: (والطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز) ، يعني: تُعتبر المطابقة في قوله: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} مع قوله: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} في إرادة الحقيقة في الثاني مع ملاحظة أصل المجاز في الأول، وهو غَلُّ اليد لا البخل الذي هو المراد منه الآن، لاستوائهما في التلفظ، كما أن"سب الله"من حيث اللفظ مطابق لقوله:"سبني"، على أن المراد من سب الله قطع الدابر، وهذا نوع من المشاكلة لطيف المسلك بخلافه في قول الشاعر: