ويجوز أن يتولى عنهم تولي ذاهبٍ عنهم، منكرٍ لإصرارهم حين رأى العلامات قبل نزول العذاب.
وروي: أنّ عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء، ونزل بهم العذاب يوم السبت. وروي: أنه خرج في مئةٍ وعشرةٍ من المسلمين وهو يبكي، فالتفت، فرأى الدخان ساطعًا، فعلم أنهم قد هلكوا، وكانوا ألفًا وخمس مئة دار. وروي: أنه رجع بمن معه، فسكنوا ديارهم.
فإن قلت: كيف صحّ خطاب الموتى وقوله: (وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) ؟
قلت: قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت- وكان قد نصحه حيًا فلم يسمع منه حتى ألقى بنفسه في التهلكة-: يا أخي، كم نصحتك، وكم قلت لك فلم تقبل منى! وقوله: (وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) حكاية حالٍ ماضية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يتولى عنهم تولى ذاهبٍ عنهم، منكرٍ) فعلى هذا: الخطاب مع القوم، يؤيده قوله:"حين رأى العلامات قبل نزول العذاب". والأول هو الظاهر، لترتب التولي بالفاء على (فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) وهو المناسب منه عليه السلام، وأنه من العرب، ومن عادتهم البكاء على الديار وأهلها. وعليه يرد السؤال الآتي:"كيف صح خطاب الموتى؟".
قوله: (وكانوا ألفًا وخمس مئة دار) أي: كانت دورهم ألفًا وخمس مئة، فحذف المضاف، فانقلب الضمير المجرور مرفوعًا. كما مر في قوله: (والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلاَّ نَكِدًا) [الأعراف: 58] ، أي: لا يخرج نباته.
قوله: (حكاية حالٍ ماضية) وكان من حق الظاهر أن يقال: نصحت لكم ولكن ما قبلتم نصحي، فعدل من الماضي إلى المضارع لاستحضار تلك الحالة التي وقعت فيها النصيحة،