فكان يضيق صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه، فحرّك الله منه وهيجه لأداء الرسالة وطرح المبالاة بردّهم واستهزائهم واقتراحهم بقوله: (فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ) أي: لعلك تترك أن تلقيه إليهم وتبلغه إياهم؛ مخافة ردّهم له وتهاونهم به (وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) بأن تتلوه عليهم، (أَنْ يَقُولُوا) مخافة أن يقولوا: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ) أي: هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه.
ثم قال: (إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ) أي: ليس عليك إلا أن تنذرهم بما أوحي إليك،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فحرك الله منه) : كقوله: هز من عطفه، وحرك من نشاطه. و"من"للتبعيض، يعني: أنه صلوات الله عليه كان مؤديًا لرسالات ربه، لكن فرض أنه قد يتهاون ويترك بعض ما يوحى إليه، فحرك بعضه ليقوم بكليته بأداء الرسالة، ويطرح المبالاة بردهم واستهزائهم، وتممه بقوله:"وهيجه"، وذلك أن قوله: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) وعيد عظيم وتهديد شديد، نحوه قوله تعالى: (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة: 67] ، أي: وإن تركت شيئًا من ذلك فقد ارتكبت أمرًا عظيمًا وخطبًا خطيرًا.
وفي معنى التوقع الذي يعطيه"لعل"أيضًا تهديد، يعني: إن ترك بعض ما يوحى إليه مما ليس من شأنه، ولا ينبغي ولا يستقيم أن يكون، ولا يتصور ذلك إلا على سبيل الفرض لا على سبيل القطع، ومن ثم ناسبه بناء"ضائق"دون"ضيق"- كما قال-:"ليدل على أنه ضيق عارض غير ثابت".