فإن قلت: قد وعده أن ينجي أهله، وما كان عنده أن ابنه ليس منهم دينًا، فلما أشفى على الغرق تشابه عليه الأمر، لأن العدة قد سبقت له وقد عرف الله حكيما لا يجوز عليه القبيح وخلف الميعاد، فطلب إماطة الشبهة وطلبُ إماطة الشبهة واجب، فلم زجر وسمي سؤاله جهلًا؟
قلت: إن الله عز وعلا قدّم له الوعد بإنجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم، فكان عليه أن يعتقد أن في جملة أهله من هو مستوجب للعذاب لكونه غير صالح، وأن كلهم ليسوا بناجين، وأن لا تخالجه شبهةٌ حين شارف ولده الغرق في أنه من المستثنين لا من المستثنى منهم، فعوتب على أن اشتبه عليه ما يجب أن لا يشتبه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما هو مؤخر في الوجود، وها هنا عكس اعتناء بشأن هذا النداء وجوابه، وذلك لما اشتمل على أمر من أمور الدين، وهو أن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، قال أبو فراس:
كانت مودة سلمان له نسب ... ولم يكن بين نوح وابنه رحم
وأما قول القاضي:"وما له لم ينج؟"فيرده قول نوح عليه السلام أولًا: (وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) [هود: 42] ، فإنه قطع بكفره ودخوله في زمرة المغرقين على الطريق البرهاني، وجواب الله عنه آخرًا: (فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ، كما سبق.
قوله: (فلم زجر) : أي: بقوله: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ) .
قوله: (وأن لا تخالجه شبهة) ، الجوهري:"خالج في صدري منه شيء: إذا شككت".
قوله: (فعوتب على أن اشتبه عليه ما يجب أن لا يشتبه) ، الانتصاف:"في كلامه ما يدل على اعتقاده أن نوحًا صدر منه ما أوجب نسبة الجهل إليه، ومعاتبته على ذلك، وليس كذلك، فإنه تعالى وعده نجاة أهله إلا من سبق عليه القول، ولم يكن كاشفًا لحال ابنه، ولا مطلعًا عليه،"