فإن قلت: ما بال ساقتي قصة عاد وقصة مدين جاءتا بالواو، والساقتان الوسطيان بالفاء؟
قلت: قد وقعت الوسطيان بعد ذكر الوعد، وذلك قوله (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ) [هود: 81] ، (ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) [هود: 65] ، فجيء بالفاء الذي هو للتسبيب، كما تقول: وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت. وأما الأخريان فلم تقعا بتلك المثابة. وإنما وقعنا مبتدأتين، فكان حقهما أن تعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما كما تعطف قصةٌ على قصة.
"الجاثم": اللازم لمكانه لا يريم، كاللابد، يعني: أن جبريل صاح بهم صيحة فزهق روح كل واحد منهم بحيث هو قعصًا.
(كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا) كأن لم يقيموا في ديارهم أحياء متصرفين متردّدين."البعد": بمعنى البعد وهو الهلاك، كالرشد بمعنى الرشد. ألا ترى إلى قوله (كَما بَعِدَتْ) ؟ وقرأ السلمى:"بعدت"بضم العين، والمعنى في البناءين واحد، وهو نقيض القرب، إلا أنهم أرادوا التفصلة بين البعد من جهة الهلاك وبين غيره، فغيروا البناء،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ساقتي قصة عاد وقصة مدين) : أما سياقة قصة عاد فهو: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا) [هود: 58] ، وأما سياقة قصة مدين فهو: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا) [هود: 94] ، والوسيطان: الأولى: قصة ثمود: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا) [هود: 66] ، والأخرى: قصة لوط: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا) [هود: 82] .
قوله: (لا يريم كاللابد) ، الجوهري:"رامه يريمه ريمًا، أي: برحه"، و"لبد الشيء بالأرض يلبد لبودًا: لصق بها".
قوله: (قعصًا) : بالقاف المفتوحة وسكون العين المهملة والصاد المهملة، الأساس:"قعصه وأقعصه: قتله مكانه، ومات فلان قعصًا"، وهو حال من فاعل"زهق".