ويجوز أن يكون اسمًا موصولًا بمعنى الذي، و (مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ) صلته، و (نُوحِيهِ) الخبر. والمعنى: أن هذا النبأ غيب لم يحصل لك إلا من جهة الوحي؛ لأنك لم تحضر بني يعقوب حين أجمعوا أمرهم، وهو إلقاؤهم أخاهم في البئر، كقوله: (وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) ؛ وهذا تهكم بقريش وبمن كذبه؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهذا تهكم بقريش) ، يعني قوله: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ) الآية، وذلك أنه صلوات الله عليه أخبرهم بهذه القصة العجيبة التي عجزت عنها رواته من غير أن يخرم منها حرفًا، فصدقوه في ذلك، مع استمرارهم على إنكار الوحي، فخوطب به صلوات الله عليه معرضًا بهم على سبيل التهكم، استركاكًا لعقولهم، وإليه الإشارة بقوله:"يا مكابرة"، يعني: أيها المكابرون، إنه لم يخف عليكم أنه لم يكن من حملة هذا الحديث، ولا لقي فيها أحدًا، ولا سمع منه، ولم يكن من علم قومه، ولم يكن مشاهدًا لذلك أيضًا، فلم يبق إلا الوحي، فإذا أنكرتم الوحي لزم أنكم لم تصدقوه فيما صدقتموه، وإليه الإشارة بقوله:"فإذا أنكروه- أي: الوحي- تهكم بهم"، لأنه لزمهم نفي ما أثبتوه، فإن التهكم ينتزع من نفس التضاد.
وأحسن منه قول القاضي:" (ذَلِكَ) إشارة إلى ما ذكر من نبأ يوسف، والخطاب للرسول [صلى الله عليه وسلم] ، وهو مبتدأ، وقوله: (مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) خبران له، (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ) الآية: كالدليل عليهم، والمعنى: إن هذا النبأ غيب لم تعرفه إلا بالوحي، لأنك لم تحضر إخوة يوسف حين عزموا على ما هموا به في غيابة الجب، وهم يمكرون به وبأبيه ليرسله معهم، ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحدًا سمع ذلك، فتعلمه منه، وإنما حذف هذا الشق استغناء بذكره في غير هذه القصة، كقوله: (مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا) [هود: 49] ".