ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ...
على الكلام السابق، يعني: مقتضى قوله: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ) الإخبار عن قوم استقرت بهم نعم جهلوا مُعطيها، وقد ذكرت أن قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا) ردٌّ لطعن قريش في رسالته صلوات الله عليه، وقولهم:"الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا"، وذكرتُ ثانيًا أن قوله: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ) نازلة فيهم، وهي متصلة بتلك الآية، بمعنى: أفأمن منكرو الرسالة الباذلون جهدهم في المكر بإبطالها أن يخسف بهم وكيت وكيت؟ وقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ) عطف على قوله: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا) ، وقوله: (وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) عطفٌ على (أَوَلَمْ يَرَوْا) على منوال قوله: مُتقلدًا سيفًا ورمحًا، أي: أو لم يروا إلى دلائله الدالة على القدرة القاهرة المسخرة لكل شيء، وأولمْ يسمعوا بآياته الشافية في إثبات التوحيد، وأن له الملك الواسع، والدين الواصب، ليعرفوا أن لابد من رسول ليقرر لهم تلك الدلائل، ويبلغ إليهم ذلك القول البليغ، ويُمهد لهم ذلك الدين الواصب، وان يضع الشريعة المستقيمة ليوضح منهاج الطريقة القويمة، وخصوصًا توبيخ هؤلاء أولًا على ما هم فيه من الإشراك بقوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ) ، وثانيًا على كفرانهم نعمة الله بقوله: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ) ، وثالثًا على تعكيسهم الأمر بقوله: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ(53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ).
وإذا كان كذلك فكيف يدخلُ في المعنى ذكرُ فريق وكأن بعضًا من أولئك الموبخين ما أشركوا؟ وأجاب بأنه يجوز أن يكون الخطاب (بِكُمْ) عامًا ويُرادُ بالفريق أولئك المشركون، على أن الناس كلهم فعلوا ما يؤدي إلى أن يستجهلوا أو يُنسبوا إلى الكفران، خصوصًا هؤلاء المشركين؛ ضموا مع الجهل والكفران ما هو أعظم منها، من أنهم إذا مسهم الضر تضرعوا إلى الله، ثم إذا كشف الله عنهم ذلك الضر ليوحدوه بدلوا بالشرك، وأن يكون الخطاب خاصًا في أولئك المشركين، ثم (مِنْ) إما بيانٌ، والمعنى على التجريد، وإليه الإشارة بقوله:"وهم أنتُم"، أو: تبعيض، على أن المراد من لم يصدر منه ذلك الإشراك الخاص فهو المقتصد المتوسط الذي خفض من غلوائه في الكفر، فظهر من هذا البيان أن (ثُمَّ) في قوله: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ) للتراخي في المرتبة. والثانية: على حقيقتها.