وروي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؟ فقال:"بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلا، فقالوا: ما أعجب شأنك: ساعة تقول (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) * ] البقرة: 269 [وساعة تقول هذا، فنزلت: (وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ) * ] لقمان: 27 ]"
وليس ما قالوه بلازم، لأنّ القلة والكثرة تدوران مع الإضافة، فيوصف الشيء بالقلة مضافا إلى ما فوقه، وبالكثرة مضافا إلى ما تحته، فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها، إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله فهي قليلة. وقيل: هو خطاب لليهود خاصة؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الروح امتحانًا من المعاندين لعلمه، أورده في السنن، ألا ترى كيف كافحهم بنزارة علمهم بقوله: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا) وبغزارة علمه على سبيل النصفة والاستدراج بقوله: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) ؟ روينا عن الإمام أحمد والترمذي، عن ابن عباس قال: قالت قريشٌ لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح. فسألوه: فأنزل الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ) الآية. قالوا: أوتينا علمًا كثيرًا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فأنزلت: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) الآية.
فإن قلت: فما وجه اتصال قوله: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ) الآيتين، بالكلام؟
قلت: هو اعتراض لمعنى الزيادة والنقصان، جاء مستطردًا في أثناء الكلام؛ لأن السياق دل على كون القرآن رحمة وسببًا لمزيد المؤمنين، وما ينالون به الإفضال والقرب والزلفى عند الله، وخسارًا وبُعدًا للقوم الظالمين.
وقد تقرر أن ذلك السؤال كان امتحانًا من الظلمة، وتضمن الإشعار بنزارة علمهم وغزارة علمه صلوات الله عليه، فلذلك كان مؤكدًا للمعنيين، وينصره قوله: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) .