بل من عادتنا وموجب حكمتنا واستغنائنا عن القبيح أن نغلب اللعب بالجد، وندحض الباطل بالحق. واستعار لذلك القذف والدمغ، تصويرا لإبطاله وإهداره ومحقه فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلا، قذف به على جرم رخو أجوف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المرأة والولد فتخصيصٌ لبعض ما هو من زينة الحياة الدنيا التي جعل لهوًا ولعبًا.
وقلتُ: ومما يقربُ منه من حيث إرادة التخسيس قوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ) [آل عمران: 14] الآية.
قوله: (وموجب حكمتنا واستغنائنا عن القيح) ، قال صاحب"الانتصاف": أراد باستغنائه عن القبيح وجوب رعاية المصالح، وفعل ما ينونه حسنًا بعقولهم، فلا يستغني الحكيمُ عن خلقِ الحسن، والحكمة تقتضي الاستغناء عن القبيح، ويقولون: ليس في الإمكان ذلك ولو أمكن لفعله؛ إذ لو تركه لكان إما بخلًا أو عجزًا تعالى الله عنهما، والحق أن الله تعالى مستغنٍ عن الأفعال، وله أن يخلق ما يتوهمه القدري حسنًا أو قبيحًا، وليس في الوجود إلا الله تعالى وصفاتُه.
قوله: (واستعار لذلك القذف والدمغ) ، قال صاحب"المفتاح": أصلُ استعمال القذف والدمغ في الجسام، ثم استعير القذفُ لإيراد الحق على الباطل، والدمغُ لإذهاب الباطل، فالمستعارُ منه حسيٌّ، والمستعارُ له عقليٌّ.
قوله: (فجعله كأنه جرمٌ صلبٌ كالصخرة [مثلًا] قُذف به على جرم رخوٍ أجوف) ، يعني: بولغ في طرفي الإفراط والتفريط؛ لأن القذف غنما يستعمل في رمي الحجارة، والدمغ