(كَيْفَ) : الإنكار، وأنّ إنكار الحال متضمن لإنكار الذات على سبيل الكناية، فكأنه قيل: ما أعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه!
فإن قلت: إن اتصل علمهم بأنهم كانوا أمواتا فأحياهم ثم يميتهم، فلم يتصل بالإحياء الثاني والرجوع؟
قلت: قد تمكنوا من العلم بهما بالدلائل الموصلة إليه، فكان ذلك بمنزلة حصول العلم. وكثير منهم علموا ثم عاندوا. والأموات: جمع ميت، كالأقوال في جمع قيل.
فإن قلت: كيف قيل لهم أموات في حال كونهم جمادًا، وإنما يقال ميت فيما يصح فيه الحياة من البنى؟
قلت: بل يقال ذلك لعادم الحياة، كقوله: (بَلْدَةً مَيْتًا) [الفرقان: 49] ، (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ) [يس: 33] ، (أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ) [النحل: 21] . ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس.
فإن قلت: ما المراد بالإحياء الثاني؟
قلت: يجوز أن يراد به الإحياء في القبر، وبالرجوع: النشور. وأن يراد به النشور، وبالرجوع: المصير إلى الجزاء.
فإن قلت: لم كان العطف الأوّل بالفاء والإعقاب بثم؟
قلت: لأنّ الإحياء الأوّل قد تعقب الموت بغير تراخ، وأما الموت فقد نراخى عن الإحياء، ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكفر من العاقل العالم في هذا المقام مظنة تعجب وتعجيب، وحاصلة أن"كيف"قد انسلخ عنه معنى السؤال وتولد معنى الإنكار.
قوله: (جمع قيل) ، الجوهري: القيل: ملك من ملوك حمير دون الملك الأعظم، وأصله قيل بالتشديد، كأنه الذي له قول، أي: ينفذ قوله، والجمع أقوال وأقيال أيضًا، ومن جمعه على أقيال لم يجعل الواحد منه مشددًا.
قوله: (لاجتماعهما) أي: اجتماع الجماد وما تصح فيه الحياة في معنى"لا روح ولا إحساس"، يعني شبه الجماد بالميت لجامع أن لا روح ولا إحساس فيهما، ثم استعير اللفظ.