جعله يمتدّ وينبسط فينتفع به الناس. (وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا) أي: لاصقا بأصل كل مظل من جبل وبناء وشجرة، غير منبسط فلم ينتفع به أحد: سمى انبساط الظل وامتداده تحركا منه وعدم ذلك سكونا. ومعنى كون الشمس دليلا: أنّ الناس يستدلون بالشمس وبأحوالها في مسيرها على أحوال الظل، من كونه ثابتا في مكان وزائلا ومتسعا ومتقلصا، فيبنون حاجتهم إلى الظل واستغناءهم عنه على حسب ذلك. وقبضه إليه: أنه ينسخه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: ولو قيل: ألم تر إلى الظل كيف مده؟ كان الانتقال من الأثر إلى المؤثر، والذي عليه التلاوة عكسه، والمقام يقتضيه، لأن الكلام في تقريع القوم، وتجهيلهم في اتخاذهم الهوى إلهًا مع وضوح هذه الدلائل، ولذلك جعل ما يدل على ذاته مقدمًا على أفعاله في سائر آياته {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ} ، {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ} ، {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا} . روى السلمي في"الحقائق"، عن بعضهم: مخاطبة العام: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17] ومخاطبة الخاص: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ} .
قوله: (سمى انبساط الظل وامتداده تحركًا منه، وعدم ذلك سكونًا) ، يعني: قوبل {مَدَّ الظِّلَّ} بقوله: {سَاكِنًا} ، ومقابل السكون الحركة، فيكون إطلاق مد ظل وبسطه على الحركة من باب تسمية الشيء باسم ملابسه أو سببه.
فإن قلت: لم عدل عن"متحركًا"إلى"مد"وهو أظهر من"مد"في تناوله الانبساط والامتداد؟
قلت: ليدمج فيه معنى الانتفاع المقصود بالذات، وهو معرفة أوقات الصلوات، فإن اعتبار الظل فيها بالامتداد دون الانبساط، وتمم معنى الإدماج بقوله: {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} أي: بالتدريج والمهل لمعرفة الساعات والأوقات، وفيه لمحةٌ من معنى قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 188] .