حيث أسكنوا الأرض فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة. وقرئ: (ويسفُك) بضم الفاء، و (يُسْفِك) ، و (يُسَفَّك) من أسفك. وسفَّكَ. والواو في (وَنَحْنُ) للحال، كما تقول: أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه بالإحسان!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والبغي، فاقتتلوا وأفسدوا، فبعث الله إليهم جندًا من الملائكة، فطردوهم عنها، وألحقوهم بشعوب الجبال والجزائر.
وقال القاضي: كأنهم علموا أن المجعول خليفة ذو ثلاث قوى عليها مدار أمره: شهوية وغضبية تؤديان به إلى الفساد وسفك الدماءن وعقلية تدعوه إلى المعرفة والطاعة، ونظروا إليها مفردة، وقالوا: ما الحكمة في استخلافه وهو باعتبار تينك القوتين لا تقتضي الحكمة إيجاده فضلًا عن استخلافه، وأما باعتبار القوة العقلية فنحن نقيم ما يتوقع منها سليمًا عن معارضة تلك المفاسد، وغفلوا عن فضيلة كل واحدة من القوتين إذا صارت مهذبة مطواعة للعقل متمرنة على الخير كالعفة والشجاعة ومجاهدة الهوى والإنصاف، ولم يعلموا أن التركيب يفيد ما يقصر عنه الآحاد كالإحاطة بالجزئيات واستنباط الصناعات، واستخراج منافع الكائنات من القوة إلى الفعل الذي هو المقصود من الاستخلاف، وإليه أشار تعالى إجمالًا بقوله: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) .
قوله: (أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه) قال القاضي: هي حال مقررة لجهة الإشكال كقولك: أتحسن إلى أعدائك وأنا الصديق المحتاج، والمقصود: الاستفسار عما رجحهم- مع ما هو متوقع منهم- على الملائكة المعصومين في الاستخلاف، لا العجب والتفاخر.