فهرس الكتاب

الصفحة 6234 من 9348

رَحِمَهُما لأنَّهما كانَتا على الذِّيادِ وهُم على السَّقْي، ولم يَرحَمْهما لأنّ مذُودَهُما غَنَمٌ ومَسقِيَّهُم إبِلٌ مثلًا، وكذلك قولُهما {لاَ نَسقِي حَتَّى يُصْدِرَ اَلرِّعَاءُ} المقصودُ فيه السَّقْيُ لا المَسْقِيُّ.

فإن قلتَ: كيفَ طابقَ جوابُهما سؤالَه؟ قلتُ: سألَهُما عن سببِ الذَّودِ فقالَتا: السَّبَبُ في ذلك أنّا امرأتانِ ضعيفتانِ مَسْتُورَتان لا نقدِرُ على مساجَلَةِ الرِّجالِ ومزاحَمَتِهم، فلابُدَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إليهِ صاحبُ (( المفتاح ) )مِنْ أنّ القصدَ في تركِ المفعولِ إلى مجرّدِ الاختصار؛ لانصبابِ الكلامِ إلى إرادةِ: يسقونَ مواشيهم، إلى آخرِه؟

قلتُ: نعم؛ لأنهُ نَظَرَ إلى اللفظ، وأنّ التركَ لصونِ الكلام عنِ العبثِ لنيابة قرائن الأحوال. والمصنِّفُ نَظَرَ إلى المعنى وأنّ المفعولَ مرفوضٌ غيرُ مُلتَفَتِ إليه؛ فلِكُلِّ وِجْهة.

فإنْ قلتَ: فعلى هذا يكونُ مِن تنزيلِ المتعدِّي منزلةَ اللازِمِ إيهامًا للمبالَغة؛ فأينَ المبالَغة؟ قلتُ: وَهْمٌ بعيد؛ لأنّ معنى قولِه: (( الغرضُ هوَ الفعلُ لا المفعول ) )أنّهمْ قدْ يقصِدونَ في الكلامِ المحتوِي على معانٍ إلى معنَى منها قصدًا أوليًّا، ويوهِمونَ أنّ ما سِواهُ مُطّرَح؛ ألا ترى إلى قولِه في تفسيرِ قولِه تعالى: {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} [يس: 14] : تَرَكَ المفعولَ به؛ لأنَّ الغرضَ المعزّزَ بهِ وإنْ كانَ الكلامُ مُنصَبًّا إلى غَرَضٍ مِنَ الأغراضِ جَعَلَ سياقَهُ لهُ وتوجُّهَهُ إليه، كأنّ ما سِواهُ مرفوضٌ مطروح.

قولُه: (كيفَ طابقَ جوابُهما سؤالَه؟ ) ، يعني أن موسى عليه السلامُ سألَهُما عنْ شأنِهِما ومطلوبِهِما بقولِه: {مَا خَطْبُكُمَا} وكانَ الظاهرُ أنْ يقولا: شأنُنا أنّنا نريدُ السّقي، ولا قُدرةَ لنا عليه مِنَ الزحمة. وأجاب: إنّ جوابَهما {لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ اَلْرِّعَاءُ وأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} معناه: سَبَبُ ذَوْدِنا ضَعْفُنا وعَجْزُنا وضَعْفُ مُتَوَلِّي أَمْرِنا؛ وهُوَ أبونا. وفي اختصاصِهِما الأبَ بالذكرِ الدلالةُ على أنْ ليسَ لَهُمْ رَجُلٌ يقومُ بذلك؛ فأَوْجَبَ ذلكَ أنْ يُفَسّرَ قولُه: {مَا خَطْبُكُمَا} بقولِنا: ما سببُ ذَوْدِكما؟ لِيَتَطابَقا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت