فهرس الكتاب

الصفحة 6242 من 9348

وإنّما أرادَ أن يكونَ راعيَ غَنَمِه هذه المُدّةَ، وأرادَ أن يُنكِحَه ابنَتَه، فذكَرَ له المُرادَين، وعلَّقَ الإنكاحَ بالرِّعيةِ على معنى: أنِّي أفعلُ هذا إذا فعلتُ على وجهِ المُعاهدةِ لا على وجهِ المُعاقدة. ويجوزُ أن يستأجِرَه لرِعْيةِ ثماني سنينَ بمبلغٍ معلومٍ ويُوَفِّيَه إيّاه، ثمّ يُنكِحُه ابنَتَه به، ويجعلُ قولَه: {عَلَى أَن تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} عبارةً عمّا جرى بينَهما. {فَإِنْ أَتْمَمْتَ} عَمَلَ عَشْرِ حِجَجٍ {فَمِنْ عِندِكَ} فإتمامُه من عندك. والمعنى: فهو من عِندِك لا من عِنْدِي، يعني: لاَ أُلزِمُكَهُ ولا أَحتِمُه عليك، ولكنّك إنْ فعلتَه فهُوَ منكَ تَفَضُّلٌ وتَبرُّع، وإلاّ فلا عَلَيْك {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ} بإلزامِ أتمِّ الأجَلَينِ وإيجابِه.

فإن قلتَ: ما حقيقةُ قولِهم: شقَقْتُ عليه، الأمرُ؟ قلتُ: حقيقتُه أنَّ الأمرَ إذا تعاظَمَكَ فكأنَّه شقّ عليك ظنُّك باثنَيْنِ، تقولُ تارةً: أُطيقُه، وتارةً: لا أُطيقُه. أو وعَدَهُ المُساهَلةَ والمُسامحةَ من نفسِه، وأنّه لا يَشُقُّ عليه فيما استَاجَرَه له من رَعيِ غَنَمِه، ولا يفعل نحوَ ما يفعلُ المُعاسِرونَ من المُسترعِينَ، من المُناقشةِ في مُراعاةِ الأوقاتِ، والمُداقَّةِ في استيفاءِ الأعمال، وتكليفِ الرُّعاةِ أشغالًا خارجةً من حدِّ الشَّرْط، وهكذا كانَ الأنبياءُ عليهُم السّلامُ آخذينَ بالأسْمَحِ في مُعاملاتِ النَّاس.

ومنه الحديثُ: (( كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شريكي، فكانَ خيرَ شريكٍ لا يُدارِي ولا يُشارِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قولُه: (وإنما أرادَ أنْ يكونَ راعيَ غَنَمِه) ، غايةُ ما يُقالُ: إنّ هذا عقدٌ فيهِ خطر؛ حيثُ عُلِّقَ بهِ عَقْدُ النكاح، وهذا لا يَقْدَحُ في بابِ النكاح؛ لأنّ النكاح لا يَفْسُدُ بالشروطِ الفاسدة.

قولُه: (فكأنّهُ شَقّ عليكَ ظنُّكَ باثنَيْن) ، يريدُ أنّ أصلَ المَشَقّةِ مِنَ الشّقِّ كما قالَ في الأنفال: والمُشاقّةُ مُشتَقّةٌ مِنَ الشّقّ؛ لأنّ كلاًّ مِنَ المُتَعادِيَيْنِ في شَقٍّ خِلافَ شَقٍّ صاحِبِه.

قولُه: (أو وعده المساهلة) ، عطفٌ على قولِه: (( وما أريدُ أنْ أشُقّ عليكَ بإلزامِ أتمِّ الأجلَيْن ) ).

قولُه: (كانَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم شريكي) الحديثُ رواهُ أبو داودَ عنِ السائبِ بنِ أبي السائبِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت