فهرس الكتاب

الصفحة 6849 من 9348

ومن كان علمه به أقل كان آمن. وفي الحديث: «أعلمكم بالله أشدّكم له خشية» ، وعن مسروق: كفى بالمرء علمًا أن يخشى، وكفى بالمرء جهلًا أن يعجب بعلمه. وقال رجل للشعبى: أفتنى أيها العالم، فقال: العالم من خشي الله. وقيل: نزلت في أبى بكر الصديق رضى الله عنه وقد ظهرت عليه الخشية حتى عرفت فيه.

فإن قلت: هل يختلف المعنى إذا قدّم المفعول في هذا الكلام أو أخر؟

قلت: لا بدّ من ذلك؛ فإنك إذا قدمت اسم الله وأخرت (العلماء) كان المعنى: أنّ الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، وإذا عملت على العكس انقلب المعنى إلى أنهم لا يخشون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قولُه: (وفي الحديثِ:(( أعلمُكُم بالله أشدُّكُم [له] خَشْيةً ) ))، ورَوَينا عن الدراميِّ عن عطاءٍ قال: قالَ موسى عليهِ السلام: يا رَبِّ أيُّ عبادِكَ أحكَم؟ قال: الذي يحكُمُ للناسِ كما يحكُمُ لنفسِه. قال: يارَبّ، أيُّ عبادِكَ أغنى؟ قال: أرْضاهُم بما قَسمْتُ له. قال: يارَبّ، أيُّ عبادِكَ أغنى؟ قال: أرْضاهُم بما قَسمْتُ له. قال: يارَبّ، أيُّ عبادِكَ أخْشى؟ قال: أعلَمُهم بي.

قولُه: (وإذا عملتَ على العكس انقلب المعنى) ، وذلك أن (( إنّما ) )فرْع (( ما ) (( إلاّ ) )، وفي الأصلِ: الحَصْرُ أبدًا في (( ما ) )يلي (( إلا ) )، وفي الفرعِ الحَصْرُ في الجُزْءِ الأخيرِ، فقولهُ تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} فَرْعُ (( ما يَخْشى اللهَ من عبادِه إلا العلماء ) )، وهو يَقْتضي انحصارَ خَشْيةِ الله على العلماءِ دونَ غيرِهم، وقولُك: إنّما يخشى العلماءُ من عبادِه اللهَ، فَرْعُ قولِك: ما يخشى العلماءُ من عبادِه إلا الله، فيلزَمُ انحصارُ خَشْيةِ الله دونَ غيرِه.

قال الشيخ عبدُ القاهر رحِمَه الله: لما كان الغرضُ من الآيةِ بيانَ الخاشينَ والإخبارَ بأنَّهم العلماءُ خاصّة دون غيرِهم قَدّم اسمَ (( الله ) )على (( العلماء ) )، ولو أُخِّرَ منه لصارَ المعنى على ضِدِّ ما عليه وهو: أنَّ الغرضَ بيانُ المَخْشيِّ والإخبارُ بأنه تعالى دونَ غيره، وهذا المعنى الأخيرُ وإن كان قد جاءَ في التنزيل قال تعالى: {وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} [الأحزاب: 39] ، لكن ليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت