قيل: هم الذين أسلموا منهم (وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) : وأنتم قومٌ عادتكم الإعراض عن المواثيق، والتولية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قيل: هم الذين أسلموا منهم) . قال القاضي: لعل الخطاب مع الموجودين منهم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ومن قبلهم على التغليب.
وقلت: فالأوفق أن يقال: إن أصل الكلام:"ثم تولوا وهم معرضون"، لقوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) ، أي: اذكر وقت أخذنا ميثاق بني إسرائيل، وتوليهم وإعراضهم عن ذلك، فعدل إلى خطاب الموجودين منهم تغليبًا، وإشعارًا بأن التولي الذي حصل منهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ليس ببدع منهم؛ لأنه دأبهم ودأب أسلافهم، فلا يكون في الكلام التفات، ولا يصح أن يكون حالًا كما في قوله: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: 92] .
قوله: (وأنتم قوم عادتكم الإعراض) ، يشير إلى أنه من الاعتراض والتذييل كما سيجيء في قوله: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: 92] .
وقيل: لا يجوز أن تكون الواو للحال، لأن التولي والإعراض واحد. ورد بما روى صاحب"التخمير"عن أبي علي: الحال مؤكدة في قوله تعالى: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) [التوبة: 25] لأن في"وليتم"دلالة على أنهم مدبرون.
الراغب: (وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) حال مؤكدة إذا جعلا شيئًا واحدًا، وقيل: إن التولي والإعراض مثل مأخوذ من سلوك الطريق. وإذا اعتبرنا حال سالك المنهج في تركه سلوكًا، فله حالتان: إحداهما: أن يرجع عوده على بدئه، وذلك هو التولي، والثانية: أن يترك المنهج ويأخذ في عرض الطريق، والمتولي أقرب أمرًا من المعرض، لأنه متى ندم على رجوعه سهل