الآن صار نصرانيًا حقًا، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ) ، وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا، وطهرنا به تطهيرًا لا مثل تطهيرنا؛ أو يقول المسلمون: صبغنا الله بالإيمان صبغته ولم نصبغ صبغتكم، وإنما جيء بلفظ الصبغة على طريقة المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار: اغرس كما يغرس فلان، تريد رجلًا يصطنع الكرام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم) ، هذا على تقدير أن يكون (قُولُوا) خطابًا للكافرين.
قوله: (أو يقول المسلمون) هذا على تقدير أن يكون (قُولُوا) خطابًا للمؤمنين.
قوله: (يصطنع الكرام) ، الجوهري: اصطنعت فلانًا لنفسي، وهو صنيعي: إذا اصطنعته وخرجته، وقال: خرجه في الأدب فتخرج، وهو خريج فلان. وقيل: معناه: يصطنع فعل الكرام أو يصطنع نفس الكرام على المبالغة، والمشاكلة واقعة بين فعل الغارس وقول القائل: اغرس، فإن المراد بقوله:"اغرس غرس الكريم"أي: أحسن إحسانه. فلولا فعل الغارس لم يحسن منه كما يغرس فلان، كما أن قوله: (صِبْغَةَ اللَّهِ) مشاكل لفعل النصارى وإن لم يوجد منهم قول، وقال الزجاج: يجوز أن يكون (صِبْغَةَ اللَّهِ) بمعنى: خلقة الله الخلق، أي: أن الله تعالى ابتدأ الخلقة على الإسلام لقوله تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: 30] ، وقول الناس: صبغ الثوب إنما هو تغيير لونه وخلقته.
وقال القاضي: أي: صبغنا الله صبغته، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، فإنها حلية الإنسان كما أن الصبغة حلية المصبوغ، أو: هدانا هدايته وأرشدنا حجته، أو: طهر قلوبنا بالإيمان تطهيره وسماه صبغة؛ لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ، وتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ الثوب.