وإذا تَرَكَ المشْيَ تراجَعتْ إلى مكانها وعادتْ تلك المواضعُ مُلْسًا ولم تُوجَدْ بِعَيْنٍ ولا لَمْس ولا يبْلغها إلاَّ كلُّ حَوَّاءٍ دقيقِ الحِسِّ .
وليس ذلك بأعجَبَ من شِقْشِقَةِ الجمل العربيِّ فإنّه يظهرُها كالدَّلْو فإذا هو أعادها إلى لَهَاتِهِ تراجَعَ ذلك الجلدُ إلى موضعه فلا يقدِرُ أحدٌ عليه بلمْسٍ ولا عَين وكذلك عروق الكُلَى إلى المثانة التي يَجْرِي فيها الحَصَى المتولِّد في الكُلية إذَا قَذَفَتْهُ تلك العروقُ إلى المثانة فإذا بال الإنسانُ انضمّت العروقُ واتَّصلت بأماكنها والتحمتْ حتى كان موضعُها كسائِر ما جاوز تلك الأماكن .
ووجهٌ آخر: وهو أنَّ هذا الكلام عربيٌّ فصيح إذ كانَ الذي جاءَ به عربيًّا فصيحًا ولو لم يكنْ قرآنًا من عند اللّه تبارك وتعالى ثمَّ كان كلامَ الذي جاء به وكان ممّن يجهل اللَّحنَ ولا يعرفُ مواضعَ الأسماء في لُغته لكان هذا خاصَّةً ممَّا لا يجهلُه .
فلو أنَّنا لم نجعل لمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فضيلة في نُبُوَّةٍ ولا مزيَّةً في البيان والفصاحة لكُنَّا لا نجد بُدًّا من أن نعلم أنَّهُ كواحدٍ من الفصحاءِ فهل يجوزُ عندكم أن يخطئَ أحدٌ منهم في مثلِ هذا في حديثٍ أو وصفٍ أو خُطبةٍ أو رسالة فيزعُمَ أن كذا وكذا يمشي أو يسعى أو يطير وذلك الذي قال ليس من لُغته ولا من لغة أهله فمعلومٌ عندَ هذا الجواب وعند ما قبله أنَّ تأويلَكُمْ هذا خطأ .