في الحطَب متداخلةً منقبضة فيه فلما ظهرت انبسطت وانتشرت وإنما اللهبُ هواءٌ استحال نارًا لأن الهواءَ قريبُ القرابةِ من النار والماءَ هو حجازٌ بينهما لأنَّ النار يابسةٌ حارة والماءَ رطبٌ بارد والهواءَ حارٌّ رطب فهو يُشبه الماء من جهة الرطوبة والصفاء ويُشبه النار بالحرارةِ والخفة فهو يخالفهما ويوافقهما فلذلك جازَ أن ينقلبَ إليهما انقلابًا سريعًا كما ينعصر الهواء إذا استحال رطبًا وحدث له كثافة إلى أن تعود أجزاؤه مطرًا فالماء ضدُّ النار والهواء خلافٌ لهما وليس بضِدٍّ ولا يجوز أن ينقلب الجوهر إلى ضده حتى ينقلب بَديًّا إلى خلافه فقد يستقيم أن ينقلبَ الماء هواءً ثم ينقلبَ الهواءُ نارًا وينقلبَ الهواءُ ماء ثم ينقلبَ الماءُ أرضًا فلا بدّ في الانقلاب من الترتيبِ والتدريج وكلُّ جوهر فله مقدمات لأن الماءَ قد يحيل الطين صخرًا وكذلك في العكس فلا يستحيل الصخرُ هواءً والهواءُ صخرًا إلا على هذا التنزيل والترتيب .
وقال أبو إسحاق لمن قال بذلك من حُذَّاق أصحاب الأعراض: قد زعمتم أن النار التي عاينّاها لم تخرج من الحطَب ولكنَّ الهواءَ المحيط بهما احتدَمَ واستحالَ نارًا فلعلّ الحطب الذي يسيل منه الماءُ الكثيرُ أن يكون ذلك الماءُ لم يكن في الحطَب ولكنَّ ذلك المكان من الهواءِ