في حِجْرٍ وناطقًا ينطِق عن الموتَى ويُترجمُ عن الأحياء وَمَنْ لك بمؤنس لا ينام إلاّ بنومِك ولا ينطق إلاّ بما تهوَى آمَنُ مِنَ الأرض وأكتمُ للسرِّ من صاحب السرِّ وأحفَظُ للوديعةِ من أرباب الوديعة وأحفَظ لما استُحْفِظَ من الآدميِّين ومن الأعْرَابِ المعرِبين بل مِنَ الصِّبيانِ قبلَ اعتراضِ الاشتغال ومن العُميانِ قبلَ التمتُّع بتمييز الأشخاص حينَ العنايةُ تامَّةٌ لم تنقص والأذهانُ فارغةٌ لم تنقَسِم والإرادَةُ وافرةٌ لم تتشعَّب والطِّينَةُ ليِّنة فهي أقبلُ ما تكون للطبائعِ والقضيبُ رطبٌ فهو أقربُ ما يكون من العُلوق حينَ هذه الخصالُ لم يَخْلُق جديدُها ولم يُوهَنْ غَرْبُهَا ولم تتفرَّق قُواها وكانت كما قال الشاعر: ( أتانِي هواها قبل أَنْ أَعرِفَ الهَوى ** فصادف قلبًا خاليًا فتمكّنا ) وقال عَبْدة بن الطَّبِيب: ( لا تأمَنوا قومًا يَشِبُّ صبيُّهم ** بَيْنَ القوابِلِ بالعَدَاوةِ يُنْشَعُ ) ومن كلامهم: التعلُّمُ في الصِّغَر كالنقشِ في الحجر وقد قال جِرَانُ العَودِ: ( تُركْنَ برجلة الروحاء حتَّى ** تنكّرتِ الديارُ على البَصيرِ ) ( كَوَحْيٍ في الحِجارةِ أو وُشُومٍ ** بأَيْدِي الرُّومِ بَاقِيَةِ النَّؤُور ) ( وإنّ مَن أدَّبته في الصِّبَى ** كالعُود يُسْقَى الماءَ في غَرْسِهِ )