فأتَيْتُ زَمْزَمَ فَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا، وغَسَلْتُ عَنِّي الدَّمَ، ولقدْ لَبِثْتُ ثَلَاثِينَ، بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ما كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ [1] بَطْنِي، ومَما وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سَخْفَةَ [2] جُوعٍ.
قَالَ -رضي اللَّه عنه-: فَبَيْنَا أَهْلُ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ إضْحِيَانَ [3] ، إذْ ضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أصْمِخَةِ [4] أَهْلِ مَكَّةَ، فَمَا يَطُوفُ بالبَيْتِ غَيْرُ امْرَأَتيْنِ، فَأتتَا عَلَيَّ، وهُمَا تَدْعُوَانِ إسَافَ ونَائِلَةَ [5] ، فَقُلْتُ: أنْكِحُوا أحَدَهُمَا الآخِرَ، فمَا ثنَاهُمَا ذَلِكَ، فَأتتَا عَلَيَّ، فَقُلْتُ: وَهَنٌ [6] مِثْلُ الخَشَبَةِ، غَيْرَ أنِّي لَمْ أَكْنِي، فَانْطَلَقتَا تُوَلْوِلَانِ، وتَقُولَانِ: لَوْ كَانَ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ أنْفَارِنَا!
قَالَ: فَاسْتَقْبَلَهُمَا رسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأَبُو بَكْرٍ -رضي اللَّه عنه-، وهُمَا هَابِطَانِ مِنَ الجَبَلِ، فَقَالَا:"مَا لَكُمَا؟".
(1) العُكَنُ: بضم الغَيْن: الأطْوَاءُ في البَطْنِ منَ السِّمَنِ. انظر لسان العرب (9/ 345) .
(2) قال النووي في شرح مسلم (16/ 24) : سَخْفَة الجُوعِ: بفتح السين وضمها، وهي رِقَّةُ الجُوع وضَعْفُهُ وهُزَالُهُ.
(3) قال النووي في شرح مسلم (16/ 24) : الإضْحِيَانِ: بكسر الهَمْزَةِ والحَاءِ، أي مُضِيئَةٌ.
(4) قال النووي في شرح مسلم (16/ 25) : أصْمِخَتُهُمْ: جمع صِمَاخ، وهو الخَرْقُ الذي في الأذُنِ يُفْضِي إلى الرَّأْسِ، والمراد بأصمختِهِمْ هنَا: آذانُهُمْ أي نَامُوا.
(5) إسافُ ونائِلَة: هما صَنَمانِ تزعُمُ العربُ أنهما كانا رَجُلًا وامرأةً زنيا في الكعبة فمُسِخَا، وإسَاف بكسر الهمزة وقد تُفتح. انظر النهاية (1/ 51) .
(6) قال النووي في شرح مسلم (16/ 25) : وهَنٌ: بفتح الهاء، هو كِنايةٌ عن كل شيءٍ، وأكثر ما يُستعملُ كنايةً عن الفَرْجِ والذَّكر، فقال لهما: ومثل الخشبةِ بالفرجِ، وأراد بذلك سَبَّ إسافٍ ونائلةَ، وغيظِ الكُفار.