الْقُرْصُ، أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، سَالِكًا طَرِيقَ الْمَأْزِمَيْنِ [1] ، وَهُوَ يُلَبِّي فِي مَسِيرِهِ، وَقَدْ أَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، خَلْفَهُ، وَأَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِالسَّكِينَةِ [2] ، وَقَدْ ضَمَّ إِلَيْهِ زِمَامَ نَاقَتِهِ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ طَرَفَ رَحْلِهِ، وَهُوَ يَقُولُ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"رُوَيْدًا أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ [3] لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ [4] "، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَسِيرُ الْعَنَقَ [5] ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً [6] سَارَ النَّصَّ [7] ، وَهُوَ فَوْقَ الْعَنَقِ، وَكُلَّمَا أَتَى حَبْلًا [8] مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لِلنَّاقَةِ زِمَامَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ.
فَلَمَّا كَانَ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ الشِّعْبِ [9] نَزَلَ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَبَالَ وَتَوَضَّأَ وُضُوءًا
(1) الْمَأْزِمين: بفتح الميم، وإسكان الهمزة وكسر الزاي: موضع معروف بين عرفة والمزدلفة. انظر زاد المعاد (2/ 228) .
(2) السكينة: أي الوقار والتأني في الحركة والسير. انظر النهاية (2/ 346) .
(3) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (4/ 336) : البر: بكسر الباء، اسم لكل ما يُتقرب به إِلَى اللَّه من العمل.
(4) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (4/ 336) : الإيضاع: السير السريع، فبيَّن رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تكلف الإسراع فِي السير ليس من البر أي مما يتقرب به.
(5) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (4/ 330) : العنق: بفتح العين والنون هو السير الذي بين الإبطاء والإسراع.
(6) الفجوة: المتسع. انظر النهاية (3/ 371) .
(7) النَّصُّ: نوع من السير سريع. انظر النهاية (5/ 55) .
(8) الحَبْل: القطعة من الرمل ضخمة ممتدة. انظر النهاية (1/ 321) .
(9) الشِّعب: بكسر الشين هو ما انفرج بين جبلين. انظر لسان العرب (7/ 128) .