عَزَّ وَجَلَّ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ رَهْطٌ مِنَّا، وَقَدْ دَفَّتْ دَافَّةٌ [1] مِنْ قَوْمِكُمْ، فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا [2] مِنْ أَصْلِنَا، وَيَحْضِنُونَا [3] مِنَ الْأَمْرِ.
قَالَ عُمَرُ -رضي اللَّه عنه-: فَلَمَّا سَكَتَ أَرَدْتُ أَنْ أَتكَلَّمَ، وَكُنْتُ قَدْ زَوَّرْتُ [4] مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِي أَرَدْتُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ -رضي اللَّه عنه-، وَكُنْتُ أُدَارِي مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ [5] .
فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتكَلَّمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رضي اللَّه عنه-: عَلَى رِسْلِكَ [6] ، فكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهَ، فتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ كَانَ هُوَ أَحْلَمَ [7] مِنِّي وَأَوْقَرَ، وَاللَّهِ مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبتْنِي في تَزْوِيرِي إِلَّا قَالَ في بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا، أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا حَتَّى سَكَتَ.
(1) الدَّافَّةُ: القوم يسيرون جماعة سيرًا ليس بالشديد. انظر النهاية (2/ 117) .
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (14/ 120) : يريد أنكم قوم غرباء أقبلتم من مكة إلينا، ثم أنتم تريدون أن تستأثروا علينا.
(2) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (14/ 120) : يختزلونا: أي يقتطعونا عن الأمر، وينفردوا به دوننا. وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (4/ 316) : يحتازونا.
(3) في رواية ابن إسحاق في السيرة (4/ 316) : يغصبونا.
(4) زَوَّرْتُ: أي هَيَّأْتُ وأَصْلَحْتُ. انظر النهاية (2/ 287) .
(5) الحَدُّ والحِدَّةُ سواء: مِنْ الغضبِ، يقال: حّدَّ يَحِدُّ حدًا: إذا غضب. انظر النهاية (1/ 340) . وفي رواية ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (414) : الحِدَّة.
(6) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (14/ 120) : رِسلك: بكسر الراء أي على مهلك.
(7) هذه رواية البخاري في صحيحه. وفي رواية الإِمام أحمد في مسنده: أعلم.