-رضي اللَّه عنه- بِلَيْلَةٍ لَمْ يَبِتْ مِثْلَهَا مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ حَتَّى أصْبَحَ، فَغَدا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَقَالَ لَهُ: يا ابْنَ أخِي! إنِّي وَقَعْتُ في أمْرٍ لا أعْرِفُ المَخْرَجَ مِنْهُ، وإقامَةُ مِثْلِي عَلَى مَا لَا أَدْرِي: أَرُشْدٌ هُوَ أمْ غَيٌّ شَدِيدٌ [1] ! !
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَحَدَّثَهُ بِحَدِيثهِ الذِي يُنِيرُ القُلُوبَ، ويُطَمْئِنُ النُّفُوسَ، ويُذْهِبُ ظُلُمَاتِ الشَّكِّ والوَسَاوِسِ، فَذَكَّرَهُ وبَشَّرَهُ، وأنْذَرَهُ، فَثبَتَ اللَّهُ تَعَالَى الإيمَانَ في قَلْبِهِ، فَقَالَ -رضي اللَّه عنه-: أشْهَدُ إنَّكَ لَصادِقٌ، فَأَظْهِرْ دِينَكَ يا ابْنَ أخِي، فَواللَّهِ ما أُحِبُّ أَنَّ لِي ما أظَلَّتْهُ السَّماءُ، وأَنَا عَلَى دِينيَ الْأَوَّلِ.
وسُرَّ الرَّسُولُ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِإِسْلامِ عَمِّهِ حَمْزَةَ -رضي اللَّه عنه- أيَّما سُرُورٍ، وعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَدْ عَزَّ وامْتَنَعَ، وَأَنَّ حَمْزَةَ سَيَمْنَعُهُ [2] .
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وكمَا يَقُولُ البَعْضُ طَلَبْنَا العِلْمَ لِلدُّنْيَا فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلدِّينِ [3] ! كَانَ إسْلامُ حَمْزَةَ -رضي اللَّه عنه- أوَّلَ الأَمْرِ
(1) قال الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه السيرة النَّبوِيَّة (1/ 300) : هذا يدلُّ على حصَافَةٍ في العقلِ، وأصَالةٍ في التفكيرِ، واعتدِادٍ بالنَّفْسِ، وَأَنَّ القوم كانوا أصحابَ عُقُولٍ ومَواهِبَ، وأنَّهُمْ كانوا أهلًا لكل تَوْجيهٍ نَبَوِيٍّ كَريمٍ حتى صارُوا خيرَ أُمَّةٍ أُخرجَتْ للنَّاسِ.
(2) أخرج قِصةَ إسلام حمزةَ بن عبد المطلب -رضي اللَّه عنه-: الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - باب ذكر إسلام حمزة -رضي اللَّه عنه- رقم الحديث (4930) - وابن إسحاق في السيرة (1/ 328) - وإسناده صحيح.
(3) قائِلُ هذهِ العبارةِ: هُوَ الإِمَامُ البحر أبو حامد الغزالي، المتوفى سنة 505 هـ.
قال عنه الذهبي في السير (19/ 322) : الشيخ الإمام البحر، حجة الإِسلام، أعجوبة =