لِأَبِي بَكْرٍ:"أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ" [1] ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ [2] بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوج وَالهِجْرَةِ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -رضي اللَّه عنه-: يَا رَسُولَ اللَّهِ الصُّحْبَةُ [3] ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"الصُّحْبَةُ" [4] .
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي، وَمَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنَ الفَرَحِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ يَبْكِي مِنَ الفَرَح [5] .
(1) قلتُ: هكذا كان حِرْصُ الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- على كتمِ أمرِ الهِجْرة خشيةَ أن يَنْتَشِرَ خبر هجرته -صلى اللَّه عليه وسلم-، ففي مثل هذه الأحوال يتطلَّب الحذر الشديد، وكِتْمان الأمر، وقد أخرج ابن حبان فِي روضة العقلاء ص 187 بسند حسن من حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -رضي اللَّه عنه-:"استَيِعنُوا على قَضَاءِ حَوَائِجكُمْ بالكِتْمَان".
(2) هذه هي رِواية الإمام البخاري وابن حبان في صحيحيهما.
قال الإمام السهيلي في الروض الأنف (2/ 312) في قول أبي بكر -رضي اللَّه عنه- للرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنما هُمْ أهلُكَ. قال: وذلك أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان قد عَقَدَ على عائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا، وأما أسماءُ صارَتْ بمنزِلة الأهل بعد زَوَاج أختها، أو أن هذا من أبي بكر تَنْزِيلٌ لأهله منزلةَ أهل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (2/ 98) قال أبو بكر: يا رسول اللَّه إنما هما ابنَتَايَ.
(3) وفي رواية أخرى فِي صحيح البخاري وابن حبان في صحيحه قال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول اللَّه.
(4) وفي رواية أخرى في صحيح البخاري، وابن حبان في صحيحه قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:"نَعَمْ".
(5) قال الإمام السهيلي في الروض الأنف (2/ 314) : قالت عائشة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا ذلك لصِغَرِ سنها -كان عُمرها ثمان سنوات رَضِيَ اللَّه عَنْهَا- وأنها لم تكن علمَتْ بذلك قبل، وقد تطرَّق الشعراء لهذا المعنى، فقال الطائي يَصِفُ السَّحَابَ:
دُهمٌ إذا وكفَتْ فِي رَوْضَةٍ طَفِقَتْ ... عُيُونُ أزهَارِهَا تَبْكِي منَ الفَرَحِ