ليقرر أوّلا في النفوس أن المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير، ثم يفسره بهذه الأجناس، فيكون أقوى لتخسيسها وأدلّ على ذم من يستعظمها، ويتهالك عليها، ويرجح طلبها على طلب ما عند اللَّه. والقنطار: المال الكثير. قيل: ملء مسك ثور، وعن سعيد بن جبير: مائة ألف دينار. ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مئة رجل قد قنطروا، و (المقنطرة) مبنية من لفظ القنطار؛ للتوكيد كقولهم: ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حبه) . الضمير راجع إلى اللام في"المزين"لأنها موصولة، أي: الذين زين لهم.
قوله: (ما هو إلا شهوات لا غير) من التراكيب التي منعها صاحب"المفتاح"، وقال: لا يصح: ما زيد إلا قائم لا قاعد، ولا: ما يقوم إلا زيد لا عمرو، والسبب أن"لا"العاطفة من شرط منفيها أن لا يكون منفيًا قبلها بغيرها من كلمات النفي. وقيل في العذر: ليست"لا"في قوله:"لا غير"للعطف، بل هو لمجرد النفي، وقوله:"لا غير"صفة لـ"شهوات"، أي: ما هو إلا شهوات موصوفة بأنها ليست غير الشهوات، أي: موصوفة بأنها شهوات صرفة.
وقلت: هذا الغدر إن صح في هذا المقام فكيف يصح في قوله في النساء:"ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا إحسانًا لا إساءة"، إذ لا يجوز فيه إلا العطف؛ لأن اسم"لا"المفرد لا يكون منصوبًا أبدًا، بل إذا كان مضافًا أو مشبهًا به، والحق جوازه على تأكيد ما هو منفي قبلها.
قوله: (والقنطار: المال الكثير) ، الراغب: القنطرة من المال: مقدار ما فيه عبور الحياة، تشبيهًا بالقنطرة، وذلك غير محدود القدر، وإنما هو بحسب الإضافة كالغنى، فرب إنسان يستغني بالقليل، وآخر لا يستغني بالكثير، ولما قلنا: اختلفوا في حده، فقيل: أربعون أوقية، وقال الحسن: ألف ومئتا دينار، إلى غير ذلك، كاختلافهم في حد الغنى، (وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ) أي: المجموعة قنطارًا قنطارًا، كقولهم: دراهم مدرهمة، ودنانير مدنرة.