فإن قلت: كيف صحّ قولهم: (إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ) جوابًا عنه؟
قلت: سألوهم عن العلم بإرساله، فجعلوا إرساله أمرًا معلومًا مكشوفًا مسلمًا لا يدخله ريب، كأنهم قالوا: العلم بإرساله وبما أرسل به ما لا كلام فيه ولا شبهة تدخله لوضوحه وإنارته، وإنما الكلام في وجوب الإيمان به، فنخبركم أنا به مؤمنون، ولذلك كان جواب الكفرة (إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) فوضعوا (آمَنْتُمْ بِهِ) موضع (أُرْسِلَ بِهِ) ردًا لما جعله المؤمنون معلوما وأخذوه مسلمًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (سألوهم عن العلم بإرساله) : حاصل الجواب أنه من باب الأسلوب الحكيم، وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب.
قوله: (إنما الكلام في وجوب الإيمان به) أي: لا تسألوا عن العلم بإرساله، بل سلوا: هل يجب الإيمان به لأنه الأهم بشأنكم؟
فإن قلت: من أين دل الجواب على وجوب الإيمان به؟
قلت: من حيث إن أصل السؤال: أتعلمون أن صالحًا مرسل ثابت الرسالة بالدليل، فيجب الإيمان به عليكم وعلينا؟ فالجواب: نعم: علمنا وحققنا ثبوت رسالته بدعواه وإظهار المعجزة عليها، فنحن آمنا به وبما أرسل به من البينات، فأنتم أيضًا آمنوا به، فعدلوا عن ظاهر الجواب إلى ما تراه لتلك النكتة التي ذكرها المصنف، والقوم لما كانوا منكرين رسالة البشر تكبرًا وعنادًا، كما قالوا: (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) [المؤمنون: 47] ما أنصفوا، وقالوا: (إنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ) .
قوله: (ولذلك كان جواب الكفرة) : أي: ولأجل أنهم ساقوا الكلام في وجوب الإيمان به، دون الإرسال، وكونه مرسلًا، قالت الكفرة: (إنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ) . فإنهم