فإن قلت: كيف جاز تعليق فعل البلوى؟
قلت: لما في الاختبار من معنى العلم، لأنه طريق إليه، فهو مُلابسٌ له، كما تقول: انظر أيهم أحسن وجهًا، واسمع أيهم أحسن صوتًا، لأنّ النظر والاستماع من طريق العلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاستعارة التبعية الواقعة على طريقة التمثيل، شبه حال المكلف الممكن المختار مع تعلق علم الله تعالى بأفعاله، بحال المختبر، ثم استعير لجانب المشبه: (لِيَبْلُوَكُمْ) موضع"ليعلم"، وجعل قرينة الاستعارة علم العالم الخبير بما ظهر وما بطن، وسيجيء تمام تقريره في"الملك".
قوله: (لما في الاختبار من معنى العلم) : قال صاحب"التقريب": وفيه نظر؛ لأنه ذكر في سورة الملك في نظيره: أنه ليس بتعليق.
قلت: وعلله بقوله:"إنما التعليق أن توقع بعده ما يسد مسد المفعولين جميعًا، كقولك: علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق"، ومعناه: أن من شرط التعليق أن لا يذكر شيء من المفعولين قبل الجملة، وها هنا سبق المفعول الأول، وهو الضمير المنصوب، فلا يكون تعليقًا.
ويمكن أن يقال: المراد بالتعليق ها هنا أن قوله: (لِيَبْلُوَكُمْ) سبب لما علق عليه الاستفهام، وهو العلم، وقد اكتفى بالسبب- وهو الابتلاء- عن المسبب- وهو العلم-، وعكسه قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ) [البقرة: 196] ، أي: فحلق فعليه فدية، وهو المراد من قوله:"لأنه طريق إليه، كما أن النظر والسمع طريقان إليه"، فتقدير الكلام: ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملًا. هذا تقدير الزجاج في سورة الملك.
يؤيده أن المصنف شبه ما في الفرقان، وهو قوله: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً