فإن قلت: كيف قيل: (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ، وأعمال المؤمنين هي التي تتفاوت إلى حسن وأحسن، فأمّا أعمال المؤمنين والكافرين فتفاوتها إلى حسن وقبيح؟
قلت: الذين هم أحسن عملًا هم المتقون، وهم الذين استبقوا إلى تحصيل ما هو غرض الله من عباده، فخصهم بالذكر، واطرح ذكر من وراءهم تشريفًا لهم وتنبيهًا على مكانهم منه، ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أَتَصْبِرُونَ) [الفرقان: 20] بهذه الآية، وكتب في الحواشي:"أن تعلق (أَتَصْبِرُونَ) بقوله: (فِتْنَةً) تعلق (أَيُّكُمْ) بقوله: (لِيَبْلُوَكُمْ) ، والمعنى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة لنعلم أيكم أحسن صبرًا، كما ابتليناكم لنعلم أيكم أحسن عملًا"، ولا بعد أن يحمل قوله قبيل هذا:"ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون"على هذا، ويقدر"ليعلم كيف تعملون"، فيكون قرينة لهذا المقدر.
وأما في سورة الملك: فهو محمول على التضمين حيث قال:"تضمن معنى العلم، فكأنه قيل: ليعلمكم أيكم أحسن عملا"، وبين التضمين والتقدير بون، ولا يبعد حمل الكلام الواحد على الوجهين المختلفين باعتبارين للتفنن.
قوله: (إلى تحصيل ما هو غرض الله من عباده) : مذهبه، وعندنا: على التمثيل، وحاصل الجواب: أن قوله: (أَيُّكُمْ) وإن كان عامًا لفظًا، لكن المراد منه المتقون؛ تشريفًا لهم.
قال السجاوندي: (لِيَبْلُوَكُمْ) إشارة إلى أنه خلق الخلق ليظهر إحسان المحسن، كذا في"الإيجاز"، فعلى هذا لا بعد أن يحمل"أفعل"على الزيادة المطلقة، وسيجيء تقريره في سورة الزمر، المعنى: ليبلوكم أيكم أحسن عمله.