والثمن القليل: الرياسة التي كانت لهم في قومهم، خافوا عليها الفوات لو أصبحوا أتباعا لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فاستبدلوها - وهي بدل قليل ومتاع يسير - بآيات اللَّه وبالحق الذي كل كثير إليه قليل، وكل كبير إليه حقير، فما بال القليل الحقير. وقيل كانت عامّتهم يعطون أحبارهم من زروعهم وثمارهم، ويهدون إليهم الهدايا، ويرشونهم الرشا على تحريفهم الكلم، وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع. وكان ملوكهم يدرّون عليهم الأموال ليكتموا أو يحرّفوا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المشترى به، وها هنا المشتري به الآيات، لأن الباء تدخل على الثمن، فلما دخل على"آياتي"صار هو المشترى به، وصار (ثَمَنًا قَلِيلًا) هو المبيع؛ يريد: أن هذه الاستعارة استعارة لفظية لا معنوية، فاستعير الشراء لمجرد الاستبدال من غير نظر إلى التشبيه كما يستعار لأنف الإنسان المرسن. قال المصنف في قوله تعالى: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) [الصافات: 65] الطلع للنخلة، فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها؛ إما استعارة لفظية أو معنوية. وأما التشبيه بقوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: 16] فلمجرد استعارة الاشتراء للاستبدال، ويمكن أن يكون استعارة معنوية، بولغ أولًا بأن شبه هذا الاستبدال في كونه مرغوبًا فيه بالبيع والشراء، ثم زيد في المبالغة بأن قلبت القضية، وجعل الثمن مبيعًا، والمبيع ثمنًا، ونحوه في القلب قوله تعالى: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) [البقرة: 275] . فجعلت الآيات في الابتذال والامتهان وكونها ذرائع إلى سائر مباغيهم كالدراهم المبذولة لقضاء الحوائج. ومقام التقريع والنعي على بني إسرائيل وسوء صنيعهم يقتضي هذه المبالغة، وإليه ينظر ما روينا عن الدارمي، قال أبو موسى:"إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا، وكائن لكم وزرًا، وكائن لكم ذكرًا، اتبعوا القرآن ولا يتبعكم القرآن، فإن من يتبع القرآن يهبط به في رياض الجنة، ومن يتبعه القرآن يزج في قفاه فيقذفه في جهنم".