اعْلَمْ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَكْرَارٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَهُمْ أَوَّلًا لِيُبَيِّنَ حُكْمَهُمْ وَهُوَ وَلَايَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ثُمَّ إِنَّهُ تعالى ذكرهم هاهنا لِبَيَانِ تَعْظِيمِ شَأْنِهِمْ وَعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ، وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِعَادَةَ تَدُلُّ عَلَى مَزِيدِ الاهتمام بحالهم وذلك يدل على الشرف التعظيم.
والثاني: وهو أنه تعالى أثنى عليهم هاهنا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَوَّلُهَا: قَوْلُهُ: (أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) فَقَوْلُهُ: (أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ) يُفِيدُ الْحَصْرَ وَقَوْلُهُ: (حَقًّا) يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ فِي وَصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ مُحَقِّقِينَ فِي طَرِيقِ الدِّينِ، وَالْأَمْرُ فِي الْحَقِيقَةِ كَذَلِكَ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُحِقًّا فِي دِينِهِ لَمْ يَتَحَمَّلْ تَرْكَ الْأَدْيَانِ السَّالِفَةِ، وَلَمْ يُفَارِقِ الْأَهْلَ وَالْوَطَنَ وَلَمْ يَبْذُلِ النَّفْسَ وَالْمَالَ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ مِنَ الْمُتَسَارِعِينَ الْمُتَسَابِقِينَ.
وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) وَتَنْكِيرُ لَفْظِ الْمَغْفِرَةِ يَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ كَمَا أَنَّ التَّنْكِيرَ فِي قَوْلِهِ: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ) [الْبَقَرَةِ: 96] يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ تِلْكَ الْحَيَاةِ، وَالْمَعْنَى: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ تَامَّةٌ كَامِلَةٌ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ وَالتَّبِعَاتِ.
وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) وَالْمُرَادُ مِنْهُ الثَّوَابُ الرَّفِيعُ الشَّرِيفُ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ تَعَالَى شَرَحَ حَالَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَدْ وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ: (أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَالْمَقْصُودُ إِمَّا دَفْعُ الْعِقَابِ، وَإِمَّا جَلْبُ الثَّوَابِ، أَمَّا دَفْعُ الْعِقَابِ فَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) وَأَمَّا جَلْبُ الثَّوَابِ فَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) وَهَذِهِ السَّعَادَاتُ الْعَالِيَةُ إِنَّمَا حَصَلَتْ لِأَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنِ اللَّذَّاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ، فَتَرَكُوا الْأَهْلَ وَالْوَطَنَ وَبَذَلُوا النَّفْسَ وَالْمَالَ، وَذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَى تَحْصِيلِ السَّعَادَاتِ إِلَّا بِالْإِعْرَاضِ عَنْ هَذِهِ الْجُسْمَانِيَّاتِ.