قَولُهُ تَعَالَى: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)
وَالْمَعْنَى إنَّ فِي ذَلِكَ التَّذْكِيرِ وَالتَّنْبِيهِ دَلَائِلَ لِمَنْ كَانَ صَبَّارًا شَكُورًا، لِأَنَّ الْحَالَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَالَ مِحْنَةٍ وَبَلِيَّةٍ أَوْ حَالَ مِنْحَةٍ وَعَطِيَّةٍ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، كَانَ الْمُؤْمِنُ صَبَّارًا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ كَانَ شَكُورًا.
وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَجِبُ أَنْ لَا يَخْلُوَ زَمَانُهُ عَنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فَإِنْ جَرَى الْوَقْتُ عَلَى مَا يُلَائِمُ طَبْعَهُ وَيُوَافِقُ إِرَادَتَهُ كَانَ مَشْغُولًا بِالشُّكْرِ، وَإِنْ جَرَى بِمَا لَا يُلَائِمُ طَبْعَهُ كَانَ مَشْغُولًا بالصبر.
فإن قيل: إن ذلك التَّذْكِيرَاتِ آيَاتٌ لِلْكُلِّ فَلِمَاذَا خَصَّ الصَّبَّارَ الشَّكُورَ بِهَا؟
قُلْنَا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا هُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِتِلْكَ الْآيَاتِ صَارَتْ كَأَنَّهَا لَيْسَتْ آيَاتٍ إِلَّا لَهُمْ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) [الْبَقَرَةِ: 2] وَقَوْلُهُ: (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها) [النَّازِعَاتِ: 45] .
وَالثَّانِي: لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: الِانْتِفَاعُ بِهَذَا النوع مِنَ التَّذْكِيرِ لَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ إِلَّا لِمَنْ كَانَ صَابِرًا أَوْ شَاكِرًا، أَمَّا الَّذِي لَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَمْ ينتفع بهذه الآيات.