فهرس الكتاب

الصفحة 858 من 2716

اعْلَمْ أَنَّ الْمُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ تَعْظُمُ رَغْبَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَتَحْصِيلِ لَذَّاتِهَا، فَذَكَرَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ تَنْبِيهًا عَلَى خَسَاسَتِهَا وَرَكَاكَتِهَا.

وَاعْلَمْ أَنَّ نَفْسَ هَذِهِ الْحَيَاةِ لَا يُمْكِنُ ذَمُّهَا لِأَنَّ هَذِهِ الْحَيَاةَ الْعَاجِلَةَ لَا يَصِحُّ اكْتِسَابُ السَّعَادَاتِ الْأُخْرَوِيَّةِ إِلَّا فِيهَا، فَلِهَذَا السَّبَبِ حَصَلَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَانِ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ حَيَاةُ الْكَافِرِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ حَيَاةَ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ، وَالسَّبَبُ فِي وَصْفِ حَيَاةِ هَؤُلَاءِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَنَّ حَيَاةَ الْمُؤْمِنِ يَحْصُلُ فِيهَا أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ فَلَا تَكُونُ لَعِبًا وَلَهْوًا.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا عَامٌّ فِي حَيَاةِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ اللَّذَّاتُ الْحَاصِلَةُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ وَالطَّيِّبَاتُ الْمَطْلُوبَةُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا بِاللَّعِبِ وَاللَّهْوِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ حَالَ اشْتِغَالِهِ بِاللَّعِبِ وَاللَّهْوِ يَلْتَذُّ بِهِ، ثُمَّ عِنْدَ انْقِرَاضِهِ وَانْقِضَائِهِ لَا يَبْقَى مِنْهُ إِلَّا النَّدَامَةُ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْحَيَاةُ لَا يَبْقَى عِنْدَ انْقِرَاضِهَا إِلَّا الْحَسْرَةُ وَالنَّدَامَةُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ تَسْمِيَةَ هَذِهِ الْحَيَاةِ بِاللَّعِبِ وَاللَّهْوِ فِيهِ وُجُوهٌ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ مُدَّةَ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ قَلِيلَةٌ سَرِيعَةُ الِانْقِضَاءِ وَالزَّوَالِ، وَمُدَّةَ هَذِهِ الْحَيَاةِ كَذَلِكَ.

الثَّانِي: أَنَّ اللَّعِبَ وَاللَّهْوَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَنْسَاقَا فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْمَكَارِهِ وَلَذَّاتُ الدُّنْيَا كَذَلِكَ.

الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّعِبَ وَاللَّهْوَ، إِنَّمَا يَحْصُلُ عِنْدَ الِاغْتِرَارِ بِظَوَاهِرِ الْأُمُورِ، وَأَمَّا عِنْدَ التَّأَمُّلِ التَّامِّ وَالْكَشْفِ عَنْ حَقَائِقِ الْأُمُورِ، لَا يَبْقَى اللَّعِبُ وَاللَّهْوُ أَصْلًا، وَكَذَلِكَ اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ، فَإِنَّهُمَا لَا يَصْلُحَانِ إِلَّا لِلصِّبْيَانِ وَالْجُهَّالِ الْمُغَفَّلِينَ، أَمَّا الْعُقَلَاءُ وَالْحُصَفَاءُ، فَقَلَّمَا يَحْصُلُ لَهُمْ خَوْضٌ فِي اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ، فَكَذَلِكَ الِالْتِذَاذُ بِطَيِّبَاتِ الدُّنْيَا وَالِانْتِفَاعِ بِخَيْرَاتِهَا لَا يَحْصُلُ، إِلَّا لِلْمُغَفَّلِينَ الْجَاهِلِينَ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ، وَأَمَّا الْحُكَمَاءُ الْمُحَقِّقُونَ، فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْخَيْرَاتِ غُرُورٌ، وَلَيْسَ لَهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَقِيقَةٌ مُعْتَبَرَةٌ.

الرَّابِعُ: أَنَّ اللَّعِبَ وَاللَّهْوَ لَيْسَ لَهُمَا عَاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ، فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّ اللَّذَّاتِ وَالْأَحْوَالَ الدُّنْيَوِيَّةَ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَيْسَ لَهُمَا حَقِيقَةٌ مُعْتَبَرَةٌ.

وَلَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى ذَلِكَ قَالَ بَعْدَهُ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَصَفَ الْآخِرَةَ بِكَوْنِهَا خَيْرًا، ويدل على أن الأمر كذلك حصول التفات بَيْنَ أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَأَحْوَالِ الْآخِرَةِ فِي أُمُورٍ أَحَدُهَا: أَنَّ خَيْرَاتِ الدُّنْيَا خَسِيسَةٌ وَخَيْرَاتِ الْآخِرَةِ شَرِيفَةٌ بَيَانُ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ وُجُوهٌ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ خَيْرَاتِ الدُّنْيَا لَيْسَتْ إِلَّا قَضَاءَ الشَّهْوَتَيْنِ، وَهُوَ فِي نِهَايَةِ الْخَسَاسَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ الْخَسِيسَةَ تُشَارِكُ الْإِنْسَانَ فِيهِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ أَمْرُ تِلْكَ الْحَيَوَانَاتِ فِيهَا أَكْمَلَ مِنْ أَمْرِ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّ الْجَمَلَ أَكْثَرُ أَكْلًا، وَالدِّيكَ وَالْعُصْفُورَ أَكْثَرُ وِقَاعًا، وَالذِّئْبَ أَقْوَى عَلَى الْفَسَادِ وَالتَّمْزِيقِ، وَالْعَقْرَبَ أَقْوَى عَلَى الْإِيلَامِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى خَسَاسَتِهَا أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ شَرِيفَةً لَكَانَ الْإِكْثَارُ مِنْهَا يُوجِبُ زِيَادَةَ الشَّرَفِ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ الَّذِي وَقَّفَ كُلَّ عُمْرِهِ عَلَى الْأَكْلِ وَالْوِقَاعِ أَشْرَفَ النَّاسِ، وَأَعْلَاهُمْ دَرَجَةً، وَمَعْلُومٌ بِالْبَدِيهَةِ أَنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ مِثْلُ هَذَا الْإِنْسَانِ يَكُونُ مَمْقُوتًا مُسْتَقْذَرًا مُسْتَحْقَرًا يُوصَفُ بِأَنَّهُ بَهِيمَةٌ أَوْ كَلْبٌ أَوْ أَخَسُّ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَفْتَخِرُونَ بِهَذِهِ الْأَحْوَالِ بَلْ يُخْفُونَهَا، وَلِذَلِكَ كَانَ الْعُقَلَاءُ عِنْدَ الِاشْتِغَالِ بِالْوِقَاعِ يَخْتَفُونَ وَلَا يُقْدِمُونَ عَلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ بِمَحْضَرٍ مِنَ النَّاسِ.

وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لَا تُوجِبُ الشَّرَفَ بَلِ النَّقْصَ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ النَّاسَ إِذَا شَتَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لَا يَذْكُرُونَ فِيهِ إِلَّا الْأَلْفَاظَ الدَّالَّةَ عَلَى الْوِقَاعِ، وَلَوْلَا أَنَّ تِلْكَ اللَّذَّةَ مِنْ جِنْسِ النُّقْصَانَاتِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ اللَّذَّاتِ تَرْجِعُ حَقِيقَتُهَا إِلَى دَفْعِ الْآلَامِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ أَشَدَّ جُوعًا وَأَقْوَى حَاجَةً كَانَ الْتِذَاذُهُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَكْمَلَ لَهُ وَأَقْوَى، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لِهَذِهِ اللَّذَّاتِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ هَذِهِ اللَّذَّاتِ سَرِيعَةُ الِاسْتِحَالَةِ سَرِيعَةُ الزَّوَالِ سَرِيعَةُ الِانْقِضَاءِ.

فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ الْكَثِيرَةِ خَسَاسَةُ هَذِهِ اللَّذَّاتِ.

وَأَمَّا السَّعَادَاتُ الرُّوحَانِيَّةُ فَإِنَّهَا سَعَادَاتٌ شَرِيفَةٌ عَالِيَةٌ بَاقِيَةٌ مُقَدَّسَةٌ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ إِذَا تَخَيَّلُوا فِي الْإِنْسَانِ كَثْرَةَ الْعِلْمِ وَشِدَّةَ الِانْقِبَاضِ عَنِ اللَّذَّاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ بِالطَّبْعِ يُعَظِّمُونَهُ وَيَخْدِمُونَهُ وَيَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ عَبِيدًا لِذَلِكَ الْإِنْسَانِ وَأَشْقِيَاءَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى شَهَادَةِ الْفِطْرَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِخَسَاسَةِ اللَّذَّاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ، وَكَمَالِ مَرْتَبَةِ اللَّذَّاتِ الرُّوحَانِيَّةِ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي بَيَانِ أَنَّ خَيْرَاتِ الْآخِرَةِ أَفْضَلُ مِنْ خَيْرَاتِ الدُّنْيَا، هو أَنْ نَقُولَ: هَبْ أَنَّ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ تَشَارَكَا فِي الْفَضْلِ وَالْمَنْقَبَةِ، إِلَّا أَنَّ الْوُصُولَ إِلَى الْخَيْرَاتِ الْمَوْعُودَةِ فِي غَدِ الْقِيَامَةِ مَعْلُومٌ قَطْعًا.

وَأَمَّا الْوُصُولُ إِلَى الْخَيْرَاتِ الْمَوْعُودَةِ فِي غَدِ الدُّنْيَا فَغَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ وَلَا مَظْنُونٍ، فَكَمْ مِنْ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ فِي بُكْرَةِ الْيَوْمَ صَارَ تَحْتَ التُّرَابِ فِي آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَكَمْ مِنْ أَمِيرٍ كَبِيرٍ أَصْبَحَ فِي الْمُلْكِ وَالْإِمَارَةِ، ثُمَّ أَمْسَى أَسِيرًا حَقِيرًا، وَهَذَا التَّفَاوُتُ أَيْضًا يُوجِبُ الْمُبَايَنَةَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: هَبْ أَنَّهُ وَجَدَ الْإِنْسَانُ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ يَوْمًا آخَرَ فِي الدُّنْيَا، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِمَا جَمَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالطَّيِّبَاتِ وَاللَّذَّاتِ أَمْ لَا؟

أَمَّا كُلُّ مَا جَمَعَهُ مِنْ مُوجِبَاتِ السَّعَادَاتِ، فَإِنَّهُ يَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: هَبْ أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا إِلَّا أَنَّ انْتِفَاعَهُ بِخَيْرَاتِ الدُّنْيَا لَا يَكُونُ خَالِيًا عَنْ شَوَائِبِ الْمَكْرُوهَاتِ، وَمُمَازَجَةِ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُخَوَّفَاتِ.

وَلِذَلِكَ قِيلَ: مَنْ طَلَبَ مَا لَمْ يُخْلَقْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ وَلَمْ يُرْزَقْ.

فَقِيلَ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّه؟

قَالَ: «سُرُورُ يَوْمٍ بِتَمَامِهِ» .

الْوَجْهُ الْخَامِسُ: هَبْ أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِتِلْكَ الْأَمْوَالِ وَالطَّيِّبَاتِ فِي الْغَدِ، إِلَّا أَنَّ تِلْكَ الْمَنَافِعَ مُنْقَرِضَةٌ ذَاهِبَةٌ بَاطِلَةٌ، وَكُلَّمَا كَانَتْ تِلْكَ الْمَنَافِعُ أَقْوَى وَأَلَذَّ وَأَكْمَلَ وَأَفْضَلَ كَانَتِ الْأَحْزَانُ الْحَاصِلَةُ عِنْدَ انْقِرَاضِهَا وَانْقِضَائِهَا أَقْوَى وَأَكْمَلَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ الْمُتَنَبِّي:

أَشَدُّ الْغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ ... تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالَا

فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ سَعَادَاتِ الدُّنْيَا وَخَيْرَاتِهَا مَوْصُوفَةٌ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ الْعَظِيمَةِ، وَالنُّقْصَانَاتِ الْكَامِلَةِ، وَسَعَادَاتِ الْآخِرَةِ مُبَرَّأَةٌ عَنْهَا، فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِأَنَّ الْآخِرَةَ أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ وَأَبْقَى وَأَتْقَى وَأَحْرَى وَأَوْلَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت