السَّدُّ مِنْ بَيْنِ الْأَيْدِي ذِكْرُهُ ظَاهِرُ الْفَائِدَةِ فَإِنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا سالكون وينبغي أن يسلكوا الطريقة المستقيمة ومن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا فَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى السُّلُوكِ، وَأَمَّا السَّدُّ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِيهِ؟
فَنَقُولُ الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: هُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ هِدَايَةٌ فِطْرِيَّةٌ وَالْكَافِرُ قَدْ يَتْرُكُهَا وَهِدَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ وَالْكَافِرُ مَا أَدْرَكَهَا فَكَأَنَّهُ تعالى يقول: جعلنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا فَلَا يَسْلُكُونَ طَرِيقَةَ الِاهْتِدَاءِ الَّتِي هِيَ نَظَرِيَّةٌ وَجَعَلْنَا مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَلَا يَرْجِعُونَ إِلَى الْهِدَايَةِ الْجِبِلِّيَّةِ الَّتِي هي الفطرية.
الثاني: هو أن الإنسان مبدأه مِنَ اللَّهِ وَمَصِيرُهُ إِلَيْهِ فَعَمَى الْكَافِرِ لَا يُبْصِرُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْمَصِيرِ إِلَى اللَّهِ وَلَا مَا خَلْفَهُ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْوُجُودِ بِخَلْقِ اللَّهِ.
الثَّالِثُ: هُوَ أَنَّ السَّالِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ سُلُوكِ طَرِيقٍ فَإِنِ انْسَدَّ الطَّرِيقُ الَّذِي قُدَّامَهُ يَفُوتُهُ الْمَقْصِدُ وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ وَإِذَا انْسَدَّ الطَّرِيقُ مِنْ خَلْفِهِ وَمِنْ قُدَّامِهِ فَالْمَوْضِعُ الَّذِي هُوَ فِيهِ لَا يَكُونُ مَوْضِعَ إِقَامَةٍ لِأَنَّهُ مُهْلِكٌ فَقَوْلُهُ: (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ) إِشَارَةٌ إِلَى إِهْلَاكِهِمْ.
* ذَكَرَ السَّدَّيْنِ مِنْ بَيْنِ الْأَيْدِي وَمِنْ خَلْفٍ وَلَمْ يَذْكُرْ مِنَ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ مَا الْحِكْمَةُ فِيهِ؟
فَنَقُولُ، أَمَّا عَلَى قَوْلِنَا إِنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى الْهِدَايَةِ الْفِطْرِيَّةِ وَالنَّظَرِيَّةِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَنَقُولُ بِمَا ذَكَرَ حَصَلَ الْعُمُومُ وَالْمَنْعُ مِنِ انْتِهَاجِ الْمَنَاهِجِ الْمُسْتَقِيمَةِ، لِأَنَّهُمْ إِنْ قَصَدُوا السُّلُوكَ إِلَى جَانِبِ الْيَمِينِ أَوْ جَانِبِ الشِّمَالِ صَارُوا مُتَوَجِّهِينَ إِلَى شَيْءٍ وَمُوَلِّينَ عَنْ شَيْءٍ فَصَارَ مَا إِلَيْهِ تَوَجُّهُهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَيَجْعَلُ اللَّهُ السَّدَّ هُنَاكَ فَيَمْنَعُهُ مِنَ السُّلُوكِ، فَكَيْفَمَا يَتَوَجَّهِ الْكَافِرُ يَجْعَلِ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ سَدًّا.
وَوَجْهٌ آخَرُ: أَحْسَنُ مِمَّا ذَكَرْنَا وَهُوَ أَنَّا لَمَّا بَيَّنَّا أَنَّ جَعْلَ السَّدِّ صَارَ سَبَبًا لِلْإِغْشَاءِ كَانَ السَّدُّ مُلْتَزِقًا بِهِ وَهُوَ مُلْتَزِقٌ بِالسَّدَّيْنِ فَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْحَرَكَةِ يُمْنَةً وَلَا يُسْرَةً فَلَا حَاجَةَ إِلَى السَّدِّ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ