«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَضْلُ اللَّهِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ اللَّهِ مَفْعُولًا لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرُّشْدِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ؟
نَقُولُ لَمَّا كَانَ الرُّشْدُ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ كَانَ كَأَنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى أَرْشَدَهُمْ فَضْلًا، أَيْ يَكُونُ مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِمْ مُنْعِمًا فِي حَقِّهِمْ.
* مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَضْلِ وَالنِّعْمَةِ فِي الْآيَةِ؟
نَقُولُ فَضْلُ اللَّهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ، وَالنِّعْمَةُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَصِلُ إِلَى الْعَبْدِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، لِأَنَّ الْفَضْلَ فِي الْأَصْلِ يُنْبِئُ عَنِ الزِّيَادَةِ، وَعِنْدَهُ خَزَائِنُ مِنَ الرَّحْمَةِ لَا لِحَاجَةٍ إِلَيْهَا، وَيُرْسِلُ مِنْهَا عَلَى عِبَادِهِ مَا لَا يَبْقَوْنَ مَعَهُ فِي وَرْطَةِ الْحَاجَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَالنِّعْمَةُ تُنْبِئُ عَنِ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَهُوَ مِنْ جَانِبِ الْعَبْدِ، وَفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ وَهُوَ تَأْكِيدُ الْإِعْطَاءِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُحْتَاجَ يَقُولُ لِلْغَنِيِّ: أَعْطِنِي مَا فَضَلَ عَنْكَ وَعِنْدَكَ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إِلَيْهِ وَأَنَابَهُ قِيَامِي وَبَقَائِي، فَإِذَنْ قَوْلُهُ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا هُوَ مِنْ جَانِبِ اللَّهِ الْغَنِيِّ، وَالنِّعْمَةُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا هُوَ مِنْ جَانِبِ الْعَبْدِ مِنِ انْدِفَاعِ
الْحَاجَةِ، وَهَذَا مِمَّا يُؤَكِّدُ قَوْلَنَا فَضْلًا مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، وَهُوَ الِابْتِغَاءُ وَالطَّلَبُ.